ما أفضل ترجمة للإلياذة؟

مقابل ما يزيد عن 60 ترجمة إنجليزية للإلياذة يوجد خمس ترجمات عربية، اثنتان منها فقط نقلت عن اليونانية مباشرة. من الصعب القول أيٌ منها الأفضل والأكثر قربًا من جوهر الملحمة التاريخية، لأن كل ترجمة تتمتع بميزات وعيوب مختلفة، وفيما يلي عرض مختصر لهذه الفروق:

سليمان البستاني

مع أنها الأولى، وتسبق البقية بحوالي نصف قرن، إلا أنه من الواضح أن ترجمة البستاني هي الأكثر جدية ومنهجية والتي بذل فيها الجهد الأكبر. ترجمها عن لغة وسيطة هي الفرنسية ثم استعان بالإيطالية والإنكليزية، ولم يجد ذلك كافٍ فتعلم مبادئ اليونانية واستعان بخبراء فيها، وبعد كل ذلك عربها نظمًا، واستغرقه ذلك عشرون سنة.

ما يميز ترجمة البستاني أنها عمل أدبي بذاته، مصدر مرجعي مهم في ترجمة الشعر والملاحم من لغة لأخرى. ومشكلتها الوحيدة أنها قد تبدو في الشعر العربي العمودي أقرب للشعر العربي الأصيل عوضًا عن الشعر اليوناني، والحاجة لتنوين الأسماء الأعجمية ليتزن البيت تجعلها غريبة على القراءة.

مشكلة طفيفة أخرى في التنسيق، وليس الترجمة، هو كثرة الحواشي السفلية وإسهابها مما يجعل قراءة القصيدة بشكل متصل أمرًا صعبًا. عندما ترجم البستاني القصيدة كانت أمرًا جديدًا كليًا على الثقافة العربية فاحتاج لشرح كل اسم وإشارة، وهي قيمة حتى اليوم لأي قارئ غير مطلع على الأساطير اليونانية، ولكن أتمنى صدور طبعات حديثة حيث يكون الشرح في آخر الكتاب للإبقاء على وحدة القراءة.

أمين سلامة

الأستاذ أمين خريج كلية الآداب، قسم الدراسات القديمة، وحاصل على درجة الماجستير في الآداب اللاتينية واليونانية. ما نعرفه عن هذا المترجم قليل جدًا مع أن له أكثر من مئة وخمسين كتابًا بين الترجمة والتأليف. ترجمة الإلياذة، كما العديد من المسرحيات والأعمال اليونانية، من اللغة اليونانية مباشرة، ونشرت ترجمته في طبعتين ضعيفتي الإنتاج، ولذلك من الصعب جدًا العثور على هذه الترجمة.

يؤخذ على هذه الترجمة، رغم دقتها، ضعفها اللغوي الذي يكاد يقترب أحيانًا من العامية، وكذلك عدم الاهتمام بجمالية الشكل الشعري مما يفقد القصيدة أحياناً ثقلها الملحمي.

دريني خشبة

يقول داريني أنه ترجم الملحمة عن ثلاث ترجمات إنكليزية، ولكن المشكلة تكمن في حقيقة أن منح لنفسه حرية التصرف في الترجمة على هواه، لدرجة أنه أصبح من المتعذر جدًا التعرف على قصيدة هومر الأصلية فيها. لقد غير ترتيب الوقائع كما رآه مناسبًا وحذف بعض الأحداث المكررة، واستخدم جملاً من القرآن والتراث العربي بدلاً من الأصل كله. مثلاً: “ويلهب فيه نخوة الجاهلية التي سداها التفاخر بالأنساب ولحمتها التباهل بالأحساب والتبجح بأنا ابن من سمك السماء ودحى الأرض وأنبت فيها من كل زوج بهيج!”. ويناجي نسطور في أحد المقاطع: “وسنصلي لك ونذبح باسمك خير بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها”. والغريب أن ابنه سامي خشبة يثمن له هذا في المقدمة ولا يرى فيه غضضًا بل إضافة قيمة للقصيدة.

هنالك ركاكة وسوء حكم أدبي أيضًا نراه في أبسط الأمور في أول فصل والذي أسماه “التفاحة” حيث لا يخلو سطر من إشارتي تعجب. وهو أمر مزعج حقًا، ليس فقط لأن الإغريق لم يستخدموها لتستخدم هنا كيفيًا، ولكن أي كاتب أو عامل في الأدب يعلم أن استخدام علامة تعجب في صفحة واحدة يعد بالكاد في المسموح به، كما نصح بذلك حرفيًا مارك تواين وإلمور ليونارد وغيرهم.

لا أستطيع نصحك بشكل قاطع أي ترجمة أخرى هي الأفضل ولكن من دون أي تردد أقول لك ابتعد عن هذه الترجمة تمامًا.

ممدوح عدوان

ترجمة الأستاذ ممدوح أيضًا عن الإنكليزية، لكنها أمينة للأصل الأصلي (أو في هذه الحالة كما أوردته الترجمة) وتتميز بإسلوب الأستاذ ممدوح الكتابي الفصيح والدقيق ولكن السهل والواضح. من بين الترجمات الثلاث أعتقد أن ترجمة ممدوح هي الأيسر للقراءة والأوضح، وتنقل جوهر الملحمة بشكل جميل متيسر الوصول إليه.

أحمد عتمان وآخرون

عمل أستاذ الكلاسيكيات المعروف مع عدة مترجمين ليخرج لنا بهذه الترجمة من اليونانية مباشرة. ويقول الأستاذ أحمد أن الترجمة استغرقت ست سنوات حتى جمعت كل التراجم وحررت ونسقت في ترجمة واحدة دون تباين في الاسلوب أو النبرة؛ وذلك صحيح تمامًا. العمل على هذه الترجمة متقن وحرفي لأبعد مدى، لكن بسبب هذا العمل التحريري افتقرت الترجمة لحماس البستاني أو الجمال الأدبي كما نرى في الترجمات الإنكليزية وتظهر كعمل تقني لدرجة كبيرة.

***

مما سبق يظهر أن هنالك 4 ترجمات عربية ممتازة مع بعض الملاحظات الطفيفة التي ربما تدفعك لاختيار واحدة على أخرى لأسباب فنية فقط؛ وترجمة واحدة سيئة جدًا. ورغم وجود الترجمات الثلاث الجيدة إلا أننا ما نزال بحاجة، ربما، لترجمة أدبية فنية عن الأصل تنقل لنا الإحساس الإغريقي بدقة وجمال.