كيف تقرأ قصيدة؟

القصائد كرسالة في زجاجة مرمية في البحر. مرسلة بلا عنوان، ومع أمل ضعيف في أن توصلها الرياح والأمواج إلى يد شخص يُثمنها. وقراءة القصيدة هي محاولة إيجاد معنى يشترك فيها القارئ مع الشاعر، وتخرج جنية الشعر من الزجاجة لتحرير خيال القارئ.

قراءة الشعر هي اسلوب وتقنية. والفضول أحد أهم الأساليب، خاصة عندما يكون خاليًا من المعتقدات عما يجب أن يكون عليه الشعر؛ إن كنت تعتقد أن الشعر هو فقط العامودي أو المقفى أو أن الغزل هو في ذكر محامد وجمال المحمود فلن تفهم منه الكثير حقًا. التقنية الجيدة تساعدك هنا على فهم ما يجب البحث عنه والتركيز عليه.

غالبًا ما يكون الهدف من القراءة المتأنية للشعر هو تناول سؤال ذي معنى، وهو سؤال تفسيري يحتوي على أكثر من إجابة واحدة. نظرًا لأن شكل القصيدة جزء من معناها (على سبيل المثال، قد تضخِّم ميزات مثل التكرار والقافية أو حتى استخدام أو عدم استخدام علامات الترقيم معنى كلمة أو فكرة أو تزيد منها، وتزيد من التركيز أو البعد). لطرح بعض هذه الأسئلة، ستحتاج إلى تطوير أذن جيدة للصفات الموسيقية للغة، كيفية ارتباط الصوت والإيقاع بالمعنى. هذا النهج هو واحد من العديد من الطرق لفهم الشعر.

يتحدث إلينا الشعر بعدة طرق. على الرغم من أن أشكاله قد لا تكون دائمًا مباشرة أو سردية. ضع في اعتبارك أن شخصًا مثلي ومثلك قد شكل جوهر القصيدة، ومن الحكمة السعي إلى فهم ذاك الجوهر. في بعض الأحيان تكون وظيفة القصيدة هي الاقتراب من قول ما لا يمكن قوله في أشكال أخرى من الكتابة، لاقتراح تجربة أو فكرة، أو شعور بأنك “تعرف” ولكن ليس التعبير بالكامل بأي طريقة مباشرة أو حرفية. تقنيات ترتيب الكلمات والخطوط، الصوت والإيقاع، تضيف إلى – وفي بعض الحالات، تضاعف – معنى الكلمات لتتجاوز الحرفي، مما يمنحك انطباعًا بفكرة أو شعور، تجربة لا يمكنك وضعها تمامًا في الكلمات ولكنك تعرف أنها حقيقية.

البداية

القصيدة لوحة يُستمتع بجمالها في السرير بينما الناس نيام، أو في بداية الصباح مع الإفطار، أو داخل قوقعتك الخاصة في المواصلات العامة. تُقرأ القصدة في كل الأماكن المعتادة، لكن على القارئ هجر كل المألوف وترك التوقعات المسبقة خلفه. قارئ الشعر حاجٌ إلى التجديد، ومسافر إلى بدايات لا تتوقف، ومستكشفٌ لولادة العجائب.

بعد أن تمحي التوقعات من عقلك، وقبل أن تبدأ يمكنك أن تتعلم عددًا من الأشياء بمجرد النظر إلى القصيدة. قد يمنحك العنوان صورة ما للبدء بها. بالنظر إلى شكل القصيدة، يمكنك معرفة ما إذا كانت الخطوط مستمرة أو مقسمة إلى مجموعات، أو طول الخطوط وأين تنكسر، ومدى كثافة القصيدة على المستوى المادي. قد تبدو هذه النصيحة كدليل تعلم قيادة السيارة- العديد من القواعد التي لا تُستخدم حقًا في القيادة، ولكن لو أخذنا قصائد إي إي كمينج، على سبيل المثال، لوجدنا أن نهاية السطر لا تعني نهاية الجملة في الغالب، واكتشاف ذلك مبكرًا سيسهل قراءة القصيدة جدًا، خصوصًا أنه، أيضًا، لا يفضل استخدام نقاط الترقيم ما أمكن.

“مجرد هواء، هذه الكلمات، ولكنها لذيذة للسماع” -صافو

يختلف النقاد والكتاب في نصائحهم لقراء قصيدة لكنهم يتفقون على فكرة قراءة الشعر بصوت عالي، والاستماع للشعر يُقرأ قد يكون مفيدًا، لكن مالم تجرب طعم الكلمات في فمك، وتتنفس صوت القصيدة في رئتيك فلن تستفيد كثيرًا.

لتبدأ، اقرأ القصيدة بصوت عال. اقرأها أكثر من مرة. استمع إلى صوتك، إلى الأصوات التي تصدرها الكلمات. هل تلاحظ أي مؤثرات خاصة؟ هل أي من الكلمات قافية؟ هل هناك مجموعة من الأصوات التي تبدو متماثلة أو متشابهة؟ هل هناك قسم من القصيدة يبدو ذو إيقاع مختلف عن بقية القصيدة؟ لا تقلق بشأن سبب استخدام القصيدة لهذه الآثار. الخطوة الأولى هي سماع ما يجري. يأتي هذا الموقف من الاعتقاد الخاطئ بأنه يجب علينا فهم قصيدة بعد قراءتها لأول مرة.

صوت الكلمات هو أول متعة بدائية في الشعر. يذكر والاس ستيفنز حب الكلمات باعتباره الشرط الأول للقدرة على حب أي شيء في الشعر على الإطلاق لأن الكلمات هي التي تجعل الأشياء تحدث. هناك أوقات تقرأ فيها قصيدة وتستطيع أن تشعر أن المقاطع تنبض بالحياة في فمك، الأحرف المعلنة في المقاطع، المقاطع تتجمع مع بعضها، الكلمات، الكلمات التي تتشكل في عبارة، العبارة التي تجد إيقاعًا في السطر، في الخطوط، في شكل الكلمات التي تعبر الخطوط إلى جملة، إلى جمل. وهذا ما يميز الشعر عن بقية أشكال الفن، في فنون أخرى أنت تنظر أو تستمع، لكن مع الشعر تسمع الكلمات التي تخرج من الصفحة إلى فمك. أنت تُولد، تُعيد خلق الكلمات، دون وجود نوتة لتحكم نبرتك.

البيت الشعري

بالنسبة للشعر العامودي فإن معرفة بداية ونهاية البيت أمرٌ هين، ولكن ما الذي يحدد أين يتوقف البيت في الشعر الحديث؟ هناك بالطبع أكثر من إجابة واحدة لهذا السؤال. غالبًا ما يتم تحديد الأبيات حسب المعنى والصوت والإيقاع والنفَس أو الطباعة. قد يستخدم الشعراء العديد من هذه العناصر في نفس الوقت. بعض القصائد منتظمة بالمعنى الدقيق للكلمة. ولكن ماذا لو كانت الخطوط غير منتظمة؟

يصعب في بعض الأحيان التعرف على العلاقة بين المعنى والصوت والحركة التي يقصدها الشاعر، ولكن هناك تفاعل بين قواعد النحو في الخط، والنفس في الخط، والطريقة التي يتم بها كسر الخطوط في القصيدة. على سبيل المثال، تعتبر الأبيات التي تنتهي بعلامات الترقيم، والتي تسمى خطوط نهاية التوقف، بسيطة إلى حد ما. في هذه الحالة، يتزامن الترقيم والبيت، وربما حتى النفس، لجعل القراءة مألوفة ويمكن التنبؤ بها. لكن الأبيات التي لم يتم إيقافها تمثل تحديًا للقراء لأنها إما تنتهي بعبارة أو جملة غير كاملة أو أنها تنقطع قبل الوصول إلى علامة الترقيم الأولى. النهج الأكثر طبيعية هو إيلاء اهتمام صارم لقواعد اللغة وعلامات الترقيم. إن القراءة حتى نهاية عبارة أو جملة، حتى لو كانت في عدة أسطر، هي أفضل طريقة للاحتفاظ بالمنطق النحوي للقصيدة.

هنالك العديد من التقنيات لتشكيل قصيدة، بعض الشعراء يحاول تقليد الإيقاع الموسيقي كإيقاع الجاز، وللبعض الأثر المرئي مهم أيضًا، مثل قصيدة لويس كارول “ذنب الفأر“. في كل الأحوال، إن استخدام هذه التقنيات، في أي مجموعة، يدفع كلمات القصيدة إلى أبعد من معانيها الحرفية. إذا وجدت في قصيدة أكثر مما تنقله الكلمات وحدها، فعندئذ هناك شيء يجعل القصيدة أكثر من مجموع أجزائها.

قراءة الكلمات

قراءة الشعر ليست قراءة مجردة كقراءة المعلومات البحتة، ولكنها إطار عقلي، ووعي، وتأمل حالم. وليست كقراءة رواية حيث يمكنك تجاوز المقاطع الوصفية أو ما شابه. القصيدة، باعتبار قالبها المختزل، كثيفة المعنى، ولكل كلمة وزنها- لا يكفي أن تفهم الجملة، يجب أن تحمل كل كلمة أمام نور الشمس وتفحصها. بعض الشعراء أمضى أيامًا في اختيار كلمة بدلاً من أخرى، لذلك يجب أن تقرأ كل كلمة بكلمة، عدا الجملة الكاملة، وتسال نفسك لماذا اختار الشاعر هذه الكلمة دونًا عن غيرها؛ قد يكون السبب أحيانًا للقافية أو الصوت، ولكن بالنسبة لأعظم الشعراء، اختيار الكلمة بذاتها معنى.

النص والسياق

يقول البعض أن القصيدة هي دائمًا عمل فني مستقل ويمكن للقراء أن يفهموها تمامًا دون الحاجة إلى استخدام أي مصدر خارج القصيدة نفسها. يقول آخرون أن أي نص لا يوجد في فراغ معزول. ومع ذلك، فإن الحقيقة تكمن في مكان بالوسط. معظم القصائد مفتوحة للتفسير دون مساعدة السياق التاريخي أو معرفة حياة المؤلف. في الواقع، من الأفضل غالبًا التعامل مع قصيدة بدون نوع من الأفكار المسبقة التي يمكن أن تصاحب هذا النوع من المعلومات. غير أن القصائد الأخرى، خاصة القصائد السياسية بشكل خاص، تستفيد من بعض المعرفة بحياة الشاعر وأوقاته. تعتمد كمية المعلومات المطلوبة لفهمها بوضوح على موافقتك على القصيدة. من الممكن، بالطبع، حتى بالنسبة للشخص ذي الخلفية العميقة في الشعر أن يكون غير مدرك لبعض الارتباطات أو الآثار المترتبة في قصيدة. وذلك لأن القصائد مصنوعة من الكلمات التي تتراكم معاني جديدة مع مرور الوقت.

الغموض جيد

يقع معظم القراء في افتراضين خاطئين عند التعامل مع قصيدة غير مألوفة. الأول هو افتراض أنهم يجب أن يفهموا ما يواجهون من القراءة الأولى، وإن لم يفعلوا ذلك، فهناك خطأ ما حدث معهم أو مع القصيدة. والثاني هو افتراض أن القصيدة هي نوع من الشفرة، وأن كل التفاصيل تتوافق مع مسألة واحدة فقط لا غير، وما لم يتمكنوا من كسر هذا الكود، فقد فاتهم فهم القصيدة.

قد تكون القصيدة التي تكشف نفسها من اول أو ثاني قراءة جيدة، ولكن القصائد التي تظل تتكشف وتُظهر لنا جمالها في كل مرة نزورها، أو تجعلنا نقول: “آه! هذا إذاً ما قصده الشاعر” عندما نمر بموقف مشابه، هي القصائد الأكثر إمتاعًا وقدرة على التأثير في حيواتنا. وفي النهاية لو كان القصد من قول أمر ما هو “الإخبار” لقيل سردًا لا شعرًا. ومع ذلك، يقاوم السواد الأعظم منا الغموض. ربما تتغير حياتنا بسرعة كبيرة لدرجة أننا نتوق إلى الاستقرار، ولأن معظم القراءة التي نُأديها هي للتعليم أو المعلومات، فإننا نفضل ذلك بالطريقة المباشرة؛ نريد أن تكون قابلة للتنبؤ وسهلة الاستيعاب. الشعر الصعب لهؤلاء هو العذاب النهائي، ولأولئك الذين يصبرون هو المتعة النهائية.

أفضل من عبر عن هذا الانكشاف المستمر للقصيدة هو Marina Tsvetaeva ، بشكل ملائم، في قصيدة تقول:

نفس الماء- موجة مختلفة.

ما يهم أنها موجة.

ما يهم أن الموجة ستعود.

ما يهم أنها دائمًا ستعود مختلفة.

ما يهم أكثر من أي شيء آخر: بغض النظر عن اختلاف الموجة

العائدة، أنها دائمًا ستعود كموجة من البحر.

ما هي الموجة؟ تكوين وعضلات. الشيء نفسه ينطبق على الشعر.