التصنيفات
شعر

الشعر العربي بين القديم والحديث3: الصراع على الذائقة الجمالة

الجزء الأخير من سلسلة الدكتور أحمد في نقد الشعر البحوري

عند التحدث عن الصراع على الذائقة الجمالية لا بد من التحدث عن قضية السليقة والفطرة. يقول المدافعون عن الشعر البحوري: إن الشعر البحوري بما فيه المغرق في القدم مفهوم عند المحدثين بالسليقة اللغوية العربية. لكننا نعلم جيداً، وكذلك تعلمنا في المدرسة، أن الشعر من الجاهلي وإلى العباسي الكلاسيكي لا يمكن فهمه إلا بقاموس. هذه السليقة العربية التي يتكلمون عنها هي نتاج تعليم الفصحى في المدارس والتي هي لغة ثانية وليست لغة أم، حسب تعاريف علم اللسانيات. إنها لغة شبه أجنبية نتعلمها في المدرسة. وفي المغرب العربي مثلاً في بعض الأوساط حيث يتم تعليم الفرنسية والعربية منذ الطفولة فان الطالب يكون فصيحا في اللغتين، وعلى الاغلب أفصح بالفرنسية منه بالعربية. إنها إذن مزاودة في الأصولية. أغلب العرب يفهمون الشعر الشعبي ولا يفهمون شعر الفصحى إلا اذا كان لهم قسط جيد من التعليم، لا بل جيد جدًا. إذن يمكننا التمييز بين شعر بحوري فصيح وشعر بحوري شعبي هو المفهوم بالسليقة.

وفي هذا المضمار، يعطينا الكثير من المعلقين أمثلة من الشعر الجاهلي، دون تشكيل وإعراب ودون شرح للمفردات، للتدليل على عظمته وكأن الشعر يتكلم عن ذاته، وكأن الإنسان، لو كان إنسانًا، فإنه سيرى جمال الشعر الجاهلي بالفطرة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل هناك قارئ عربي معاصر يستطيع أن يقرأ الشعر الجاهلي دون تشكيل وإعراب ويستطيع أن يفسر معانيه دون قاموس؟ إن الإحساس المسمى فطري بالقرب من الشعر الجاهلي والشعر القديم بشكل عام ليس إلا دليلاً على وحدة التعليم وسطوته إلى درجة أنه يتماهى مع الفطرة، وليس إلا دليلاً على استفحال أيديولوجيا هوياتية تفرض على العربي التماهي مع الشعر الجاهلي باعتباره شعر فطري مع أنه لا يستطيع حتى قراءته.

والقارئ لهذه العبارات يعتقد أن لا موسيقى وإيقاع في اللغة العربية، المكتوبة والمحكية، إلا تلك البحور وأن لا مواضيع إلا مواضيع القصيدة. لكن الواقع المعاش ينفي تماماً هذه المزاعم. مما يؤكد ضرورة وصفها بأنها أيديولوجية اجتماعية مختصة بالجمال. الأشعار الشعبية المحلية وأغاني شعبية لها بحورها الخاصة. وهذا يعني، باعتبار التعدد الهائل في اللهجات العربية، مئات البحور والتفعيلات والتقطيعات العروضية. بالنسبة للعربية الرسمية المكتوبة، فهي تقدم بالإضافة إلى البحور العشرات من مجزوءات البحور (الموشحات مثالاً). كما أن المستمع العربي يتعرف على الموسيقى في الأغاني التركية والفارسية والانكليزية والفرنسية والألمانية. وهذا يعني أن المستمع العربي، وذائقته الموسيقية الشعرية، قادرة على معرفة الجمال في سياقات متعددة. أي أن القضية مجرد خيارات تفرضها أيديولوجيا تتمسك بالتعريف العباسي للعروبة واللغة العربية. وكمثال على قوة تلك الخيارات الأيديولوجية أذكر الأمثلة التالية: الفارسية لغة غير سامية، بل هي أشبه في قواعدها بالإنكليزية منها بالعربية. ومع ذلك اعتمدت الفارسية البحور العربية. والسريانية لغة سامية أقرب الى العربية منها إلى اليونانية، ومع ذلك اعتمدت في شعرها على عد المقاطع الصوتية مثل اليونانية.

وقد كتبت عدة منشورات في نقد الذائقة الشعرية العربية الهائمة والمتعصبة للبحور. وكان ومحور نقدي في كل مرة هو أن البحور ضوابط تنبع قيمتها من المجتمع الأبوي المهووس بالضوابط والتقييم والمنافسة. ولكن الغالبية العظمى من التعليقات أعادت عليّ مقولة أن الجمال يأتي من الضوابط وأن التقييم أساسي لمعرفة وجود الجمال وأن الشعر صنعة قابلة للتقييم. ولن أجد تعبيراً عن العلاقة الوثيقة بين المجتمع العربي وشعره البحوري المنضبط أفضل مما قاله أحد المعلقين على منشوراتي على الفيسبوك (الأقواس من المعلق):

“كلامك يا أستاذ لو سمعه أي [باحث] مبتدئ في الشعر الجاهلي لرده عليك بغضب… اقرأ بتمعن القيم في الشعر الجاهلي، سترى أمة آمنت بمكارم الأخلاق من خلال قيمتين يمثلان قيدًا اجتماعيًا انعكس قيدًا معنويًا شعريًا؛ وهما قيمتا [الجود] و[البأس] فخر بالجود والبأس ورثاء بالجود والبأس ومدح بالجود والبأس؛ الجود [القدرة على الحياة] من منيحة ودية ورفادة … والبأس [القدرة على الموت]… عالم عجيب نستدعيه من مدافن النسيان لنرحل إلى أمة إبداعها خيالي.

ثم لو تتبعت مكامن [الشعرية] في الشعر الجاهلي بدقة في المعلقات والمفضليات وما تناثر في كلام أيام العرب النثري، لصدمك قدرة هؤلاء على منطقة [من المنطق] القصيد غنائيًا ونسجه كبيت العنكبوت ومسرحة [من مسرح] الحياة مرآة تنعكس في الشعر… هو قطعة من الحياة، به غيّر الجاهلي حياته في أمة آمنت بقوة الكلمة، فمثل القصيد برنامج قول لفظي وخطة خطابية مملوءة قصدًا ونية ومن هنا جاء القصيد من القصد…”

نلاحظ انسجام القيم الاجتماعية مع الانضباط اللغوي والموضوعي مع الذائقة الجمالية مع الأيديولوجيا القومية. نلاحظ أن الشعر “برنامج لفظي” و”خطة خطابة”، أو لنقل برنامج ضبط اجتماعي أو برنامج ضبط سياسي. وأخيراً، نلاحظ الارتباط الوثيق للشعر “بالقصد والنية”، لأن الشعر له وظيفة اجتماعية محددة. لا أسخر من المعلق فقد وصف الشعر الذي يحبه وصفاً ممتازاً ودقيقاً. لكن هنا بالضبط تكمن النقطة التي أركز عليها، إننا نعبر بحب فائق عن القواعد التي تحكمنا ولا نستطيع أن نخرج من إٍسارها إلى درجة يصبح فيها الجمال هو الالتزام بالقواعد.

ولنحاول تلمس الجمال عن قرب لنرى بعض آليات إطلاق حكم جمالي على الشعر. بكل بساطة خذ أي بيت جاهلي وترجمه الى العامية، إذا زال جماله فهذا يعني أن قداسة اللغة هي مصدر الجمال. لنأخذ المثال التالي:

لو قلت: “وطلعت الصبح بكير قبل ما يروحوا الدواب يشربوا من النبعة ومعي ناقة تسحب وراها فرس نحيف وسريع متل حمار الوحش. ويا مرحوم البي هالفرس كان صغير عم ينطوط على إيديه ورجليه متل نطوطة الثعلب”. قد أرى ذلك جميلاً إذا كان جزءًا من حياتي وقد أراه مزعجًا اذا لم أركب الخيل ولم أسافر في الصحاري. لكن الجميع سيرى المقولتين جميلتين إذا صغناهما كالتالي:

وقد اغتدي قبل الشروع بسابح         أقبَّ كيعفور الفلاة مجنِّب

بذي ميعـة كأن أدنى سِــقاطـه          وتقريبه هَوناً دآليلُ ثعلب

وبالطبع سيزداد البيتان جمالاً إذا احتجنا الى المعجم لتفسير كلمات شروع، سابح، أقب، يعفور، مجنب، ميعة، سقاط، تقريب، هون، دآليل. هذا يعني أن الجمال يزداد إذا عرفنا من البيتين ثلاث كلمات فقط اغتدي، الفلاة، ثعلب. ثم يأتيك النحوي ليزيد في عقدة النقص شارحًا بأن أقب مجرور لكنه مبني على الفتحة لأنه ممنوع من الصرف؛ وأن مجن هي صفة مجرورة للسابح تأخرت لضرورة الشعر؛ وأن دآليل هو خبر كأن مرفوع؛ وأن هونًا تمييز منصوب على الظرفية لأن المعنى يمشي هوناً أي بتأن وسهولة. ثم يأتيك الناقد الشعري ليوضح لك البراعة في الصنعة متمثلة بتأخير مجنب ودآليل ليستقيم الوزن. ثم يأتي اللغوي ليزيد الإحساس بالنقص قائلاً بأن عظمة اللغة تكمن في أن السقاط والتقريب والهون لا تطلق إلا على مشي الخيل، وأن الشاهد الشعري في لسان العرب على معنى السقاط هو هذا البيت نفسه. ثم يأتيك المؤرخ ليقول لك هذا من شعر الفطحل الملك امرئ القيس حفظته لنا الذاكرة الجمعية للأمة. ثم يأتيك رجل الدين ليقول لك لن تفهم الحديث والقرآن إلا بفهم هذه الاشعار. ثم يأتي الأيديولوحي ليقول لك لست عربيًا إذا لم تحب شعر أجدادك من أهل الخيام. أنت محاط بالقداسة والأيديولوجيا لشيء لم تفهمه أصلاً ولو فهمته لما عنى لك أي شيء. وعلى فكرة حتى المستمعين في العصور الأموية والعباسية لم تكن معرفتهم بأحسن حال من معرفتنا اللغوية. هذا يعني أن جزءًا لا يستهان به من الجمال المفترض ينبع من قدم الشعر، غرابة ألفاظه، وإحساسنا بعقدة نقص تجاه لغته التي من المفروض أن تكون لغتنا الأم أيضًا. هذا الإحساس لا يأتي إلا من أيديولوجيا هوياتية تربط العربية فقط بالشعر الجاهلي (وهي التعريف العباسي للهوية العربية أيضاً).

أعتقد أن أحد المعلقين لامس لب الموضوع، ولي اعتراض على استنتاجه، حيث قال:

“يبدو أنك كباحث وأكاديمي لم تنتبه لفرق هام: نقاش الشعر والأدب والفن نقاش محوره تذوق الفن والإعجاب به أو الاشمئزاز منه في الحالة المعاكسة. وهذه وجهات نظر والشطط فيها لا يضر ولا ينفع فهي ليست نقاشاً فكرياً حول شكل الدولة ومصدر سلطتها وحقوق مواطنيها والفرق كبير بين الحالتين. أن تكره الشعر الجاهلي أو تراه قمة الفصاحة هذا حقك وحق سواك ولا يؤدي بطبيعة الحال لدولة علمانية أو دولة ثيوقراطية. ولكن الوضع مختلف حين نتحدث عن حقوق المرأة والأقليات وفصل السلطات وتدوين الحديث ومصادر الشرعية!”

إن التيار المسمى “ما-بعد الحداثة”، والمنشر بشدة في أوساط العلوم الاجتماعية والإنسانية، يرى السلطة في كل مكان ويجري وراءها محاولاً تفكيك عناصرها وعلاقاتها. يراها في الدولة والمجتمع والشعر والموسيقا والثقافة والمؤسسة وتربية الأولاد والتلفزيون والفن والرياضة، وكل شيء على الإطلاق. ولذلك فإن الطريق بين الشعر الجاهلي وشكل الدولة، والذي قد يعتبره البعض غير موجود وغير ممكن، تعتبره هذه الأكاديميا موجوداً لا بل محتماً.

بالنسبة لي انطلقتُ من “ما-بعد الحداثة” إلى المنظوماتية. ليس لأني لا أريد أن أرى السلطة في كل مكان، على العكس، بل لأني أريد أدوات تحليل أخرى لا يعطينا إياها تيار “ما-بعد الحداثة”. ولأني كذلك أردت التخلص من النفس “النضالي” لتيار “ما-بعد الحداثة”. لا يزال يغلب على العاملين في هذا التيار فهم “الجماعة المتخيلة” على أنها مؤامرة سلطوية يجب التخلص منها. بينما المنظوماتية ترى العلاقات السلطوية جزءاً من تركيب أية منظومة وأية علاقات، وبالتالي لا يمكن النظر إليها من منطلق نضالي أو أخلاقي على أنها مؤامراتية وسيئة ويجب التخلص منها. ولكن لا يعني هذا عبادة المنظومة واعتبارها قدراً محتوما. المنظومات تتغير وتتأقلم وتولد وتموت. وبالتالي ما لا ينفع اليوم (من ناحية التأقلم) يمكن تخطيه. لكن لا يمكن تخطيه من خلال الحرية المطلقة والإنعتاق من أية قيود أو سلطة، وإنما من خلال سلطة أقل إعاقة. هذا يعني أي الشعر الجاهلي بالنسبة لي مرتبط بالدولة والشريعة والثقافة والجمال والسلطة.

فماذا يعني أن أقول بأن الشعر الجاهلي مقدس أو مربوط بالهوية العربية أو أن سماته الجمالية مربوطة بالأيديولوجيا الدينية أو القومية (أي متخيلة)؟ لا شيء، وكل شيء. لا شيء لأنه لا يقضي على الشعر الجاهلي، وكل شيء لأنه يوضح شبكة الأيديولوجيا التي نتحرك ضمنها. مثل هذا التحليل ليس الغرض منه تهديم شيء لأنه رجعي أو متخلف. وإنما تهديم نمط معين من العلاقات واستبدالها بعلاقات أخرى نعتقد (أو أعتقد) أنها أنسب لاستمرارنا كمجتمع. يمكننا أن نحتفظ بالشعر الجاهلي كله لكن ضمن منظومة أيديولوجية مختلفة وستكون لنا علاقة به، لكنها علاقة مختلفة عن التي نملكها اليوم. تغيير المنظومة لا يعني الانعتاق من المنظومات والقواعد والأيديولوجيات، وإنما خلق منظومة جديدة لها قواعد وأيديولوجيا مختلفة نعتقد (أعتقد) أنها ستساعدنا على التطور والتأقلم والبقاء. لا يهمني تحطيم الشعر الجاهلي، ولماذا أحطمه وهو أحد أهم أوعية اللغة العربية (القديمة)، وربما الطريق نحو تجديد اللغة العربية اليوم (وبالتأكيد له جماله الخاص). أنا أريد أن أغير علاقتنا به حتى نستطيع استخدامه بطرق أخرى وحتى نستطيع أن يكون لدينا نوع آخر من الشعر وعلاقة أخرى مع لغتنا. ربما أريد كسر بعض قواعده السلطوية، لكن هذا لا يعني رميه إلى المزبلة. ولا يعني فقدان “الشاعرية” (القدرة على قول الشعر العمودي). لا بل أنا من المشجعين على عودة شعر المناسبة وعودة الشعر العمودي، لكن ليس تحت قواعد الشعر الجاهلي نفسها. لا أريد سطوة الشعر الحر الحديث وصراع صفري بينه وبين الشعر العمودي. أبداً. أنا أعتقد أن الحرب الصفرية قد أثرت بشكل سلبي على الشعر العربي وأفقدتنا نمطاً من الشعر لنا معه علاقة طويلة. وهو شعر مفيد وممتع وله وظائفه وجمالياته. لكني أيضاً لست مع سطوة الشعر العمودي والعلاقة الصفرية مع الشعر الحر.

وأما مقولة أنه لو امتلك الشاعر الذي يكتب الشعر الحر ملكة ومهارة الشعر البحوري فإنه لن يفكر لحظة في كتابة الشعر الحر، فإنها تحيلنا الى النقاط التالية التي تحدثت عن معظمها:

  1. افتراض أن الشعر صنعة لغوية،
  2. افتراض الجمالية الفطرية للبحور بحيث يقع الاختيار الفكري عليها مباشرة،
  3. الرداءة المهنية لشعراء الحر باعتبار ان الشعر صنعة،
  4. الشعر الحر ديمقراطي جدا يقبل من هب ودب،
  5. هناك معيار جمالي وحيد للشعر،
  6. الشعر منافسة مهنية بين الشعراء.

تلخص هذه الكلمات نظرية الشعر العربي البحوري.

تجربة الشعر العربي الحديث – ملاحظات

من الشعر العمودي لأحمد شوقي (البحر الكامل، متفاعلن متفاعل متفاعلن) يشجب فيه تعسف الرجال على نسائهم:

ظَلَمَ الرِجالُ نِساءَهُم وَتَعَسَّفوا       هَل لِلنِساءِ بِمِصرَ مِن أَنصارِ

يا مَعشَــرَ الكُتّابِ أَينَ بَلاؤُكُــم        أَينَ البَيانُ وَصائِبُ الأَفكارِ

أَيَـهُمُّـكُم عَبَـثٌ وَلَيـسَ يَهُمُّـكُم       بُنيانُ أَخلاقٍ بِغَيرِ جِدارِ

عِندي عَلى ضَيمِ الحَرائِرِ بَينَكُم    نَبَأٌ يُثيرُ ضَمائِرَ الأَحرارِ

مِمّا رَأَيتُ وَما عَلِمتُ مُسافِراً       وَالعِلمُ بَعضُ فَوائِدِ الأَسفارِ

فيهِ مَـجالٌ لِلكَـلامِ وَمَـذهَبٌ            لِيَراعِ باحِثَةٍ وَسِتِّ الدار

وحدة البيت وتكامله يضطران الشاعر إلى الإضافة المضعفة لسيل الشعر في القصيدة. في الأبيات الأول والثاني الخامس، الشطر الثاني غير ضروري للمعنى. المعني مكمم (كميات) وفق حدود البيت: الأول ظلم، الثاني تساؤل، الثالث نخوة، الرابع قضية، الخامس إضافة سياقية، السادس تطوير لموضوع القضية. إن سيولة المشاعر مقطعة بسبب البيت. باعتقادي هذا نحر للمشاعر والانسيابية والسردية على مذبح الموسيقى والبنية المفروضة. نلاحظ الحاجة إلى التشكيل والإعراب من أجل فهم القصيدة. طبعاً الناس تحفظ هذه الأبيات بشكل أسرع لموسيقاها. ولا أنكر أنها جميلة.

لننظر الآن إلى موقع وسط وهو شعر التفعيلة. المثال رائعة بدر شاكر السياب التي يعرفها الجميع، مطر مطر مطر (وهي على تفعيلة مستفعلن أساس بحر الرجز، أسهل البحور)

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ.

عيناكِ حين تَبسمانِ تورقُ الكروم.

وترقص الأضواء… كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهناً ساعة السَّحَرْ

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ…

وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساءٍْ،

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريفْ،

والموت، والميلاد، والظلام، والضياءْ؛

فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاءْ

ونشوةٌ وحشيّةٌ تعانق السماءْ

كنشوة الطفل إذا خاف من القمرْ!

كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ

وقطرة فقطرةً تذوب في المطرْ…

وكركر الأطفالُ في عرائش المكرومْ،

ودغدغت صمت العصافير على الشجرْ

أنشودةُ المطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

مطرْ…

ليس هناك بيت بل شطر، وحتى تقسيم الشطر لا يخضع للتفعيلات وعددها وإنما لانسياب المشاعر مع الكلمات (إنها توجيهات للقارئ). ليس هناك قافية موحدة بل عدة قوافي تختلف من مقطع إلى آخر.  يستطيع الشاعر أن يعطي لكل موضوع حقه من التعبير والإستفاضة. إنه يبني صرحاً شعورياً إلى أن يصل إلى الذروة فيصرخ كلمة واحدة (مطر مطر مطر).

نازك الملائكة، قصيدة الكوليرا من الشعر الحر:

سكَن الليلُ أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ

في عُمْق الظلمةِ تحتَ الصمتِ على الأمواتْ

صَرخَاتٌ تعلو تضطربُ

حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ

يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ

في كل فؤادٍ غليانُ

في الكوخِ الساكنِ أحزانُ

في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ

في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ

هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

هناك سردية كاملة لتفاعل الحدث مع الإحساس. الموسيقى لا تخضع لإيقاع واحد يحدده البحر بل لإيقاعات مختلفة حسب تتابع الألفاظ وحسب السجع الطارئ وحسب طول وقصر الشطر.

قصيدة بيروت لمحمود درويش أيضاً شعر تفعيلة (البحر الكامل، تفعيلة متفاعلن):

بيروت

تُفَّاحةٌ للبحر، نرجسةٌ الرخام

فراشةٌ حجريّةٌ بيروتُ. شكلُ الروح فى المرآة

وَصْفُ المرأة الأولى، ورائحة الغمام

بيروتُ من تَعَبٍ ومن ذَهَبٍ، وأندلس وشام

فضَّةٌ، زَبَدٌ، وصايا الأرض في ريش الحمام

وفاةُ سنبلة، تشرُّدُ نجمةٍ بيني وبين حبيبتي بيروتُ

لَم أسمع دمى من قبلُ ينطقُ باسم عاشقةٍ تنام على دمى….. وتنامُ

— محمود درويش

نلاحظ أن القافية متعددة، عدد التفعيلات في الشطر متعدد، الموسيقى داخلية من خلال مقاطع متلاحقة وقصيرة. إن المعنى الواحد يأخذ المقطع كله. لا يوجد تشبيه، كله تورية.

تحرر الشعر العربي اليوم بعض الشيء من قيود الوزن، لكنه احتفظ بتلك العلاقة بين الشاعرية والماورائية (أو التورية او المعاني الخفية في الشعر الحديث) ليتواصل مع جني الشعر. أحس أحيانًا وأنا اقرأ الشعر العربي الحديث وكأن الشاعر يعصر نفسه ليصل إلى ذلك الفضاء. وهذا ما أعبر عنه بلفظة الدرويشية (اي تقليد محمود درويش باعتباره جني الشعر الحديث).  يمكن ان اقول بان محمود درويش قد أثر في كثير من الشعراء العرب المحدثين. لكن هل يمكن أن أقول بأن هذا التأثير غير محمود، فكثير منهم يقلدونه الى درجة يفقدون فيها شخصيتهم الشعرية. الطريقة الدرويشية (أي طريقة تقليد درويش وليس طريقة درويش) تكون بتحويل التورية إلى أصل في الجملة، فتتحول الجملة الى ألغاز على القارئ أن يحلها. وفي الحقيقة تنعدم الحبكة الشعرية والشعورية خوفا من الرجوع إلى الواقع، فأي رجوع من التورية الى الواقع يعتبر سقوطا في اللاشعرية.

الشاعر العربي يمقت اليومي والمعتاد لأنه خارج فضاء الشاعرية. وأعتقد أن هذه النظرية تنطبق على الفلسفة والعلوم والرياضيات. إننا أولاً نعجز عن قراءة المعنى في اليومي، وثانيًا نعجز عن رؤية الطبقات المتراكبة من المعاني. لنأخذ هذا المقطوعة الشعرية المترجمة من ديوان الحقيبة الحمراء للشاعرة الأمريكية الفلسطينية نعومي شهاب ناي:

للتو، قال لي أحدهم أن براعم التذوق على ألسنتنا تموت

حين نتقدم في العمر

تموت واحدة واحدة أو زمراً

الطفل يملك مجرات من هذه البراعم

محظوظون أننا في هذا العمر نملك بعضاً منها.

لهذا يبكي الطفل

إذا تذوق شيئاً بغيضاً

تجولت اليوم كله وأنا

أفتح وأغلق فمي

رغيف الخبز أصبح أعمق

التوت الأحمر، المعلب في

صندوقه المربع الصغير

يستطيل واصلاً إلى كرمته

من أجلي، من أجل ما بقي مني،

هذه الممالك التي تذوب

بين أسناني

إنه شعر حر في وصف السعادة الغامرة حين نأكل قطعة حلوى بطعم التوت الأحمر. إنها قصة كاملة ببضعة أسطر تبدأ من اكتشاف صغير وتنتهي في اكتشاف الحياة وجمالها في قطعة حلوة. هذا موضوع لا يدخل في قائمة مواضيع اشعارنا من قديمها إلى حديثها. اليومي، العادي، والفردي يصبح حياة كاملة. هذا بالنسبة لي شعر. لكن آخر تعليق وصلني على هذا المقطع الشعري: “أتسمي هذا الكلام المبتدئ الغير مركب على بعضه شعرا، لا بل و تقارنه بالشعر الموزون المقفى بل و تفضله على شعر المعلقات. على قول عادل إمام ” الدنيا بازت يا جدعان “

وكما وصفت سابقاً بأن معلمي اللغة في المدارس الثانوية الأمريكية يطلبون من طلابهم “كتابة الشعر”، أي كتابة الأحاسيس اليومية. وهذان مثالان من كتابتي أعرضهما هنا لهذا النوع من الشعر، الاثنان يحملان عنوان “الحنين”:

(الأول مثال على النمط المغرق في التورية)

بحر الآلام يرتفع مدًا الى شواطئ القمر

أيها القمر الباهت

أخرج من قاموس الحنين

أمي لم تعد تنتظر بدرك

(الثاني مثال على النمط اليومي)

عملت بيضا مسلوقًا وشايًا

وتعشيت وأنا أتفرج على التلفزيون

هذه هي طقوس الشتاء

الظلام في الخارج يبدو أكثر ظلامًا من المعتاد

رن تليفوني يذكرني بموعد النوم

دخلت تحت اللحاف السميك

حاولت أن أقرأ قصة عاطفية

تذكرت شجرة التوت في حديقة بيتنا

أطفأت نور اللمبة الوحيدة الصفراء

بكيت قليلاً دون نحيب

الظلام في الغرفة يبدو أكثر ظلامًا من المعتاد

هذه هي طقوس الشتاء

يكتبها: أحمد نظير الأتاسي

 أستاذ التاريخ الإسلامي والشرق أوسطي في جامعة لويزيانا التقنية. فيسبوك