مكتبة خشبية ضخمة مع لوحات فنية ومتة

المكتبة: رسالة حب

الجزء الأول: المكتبة

جمعت أول مكتبة من مصروف الغداء.

هكذا تبدأ رحلة معظمنا ممن يهتمون بالكتب بجدية، على ما أعتقد، بسرقة صغيرة ومتكررة من شهوة لإشباع شهوة أخرى. في الصف السابع، كنت أنتظر الرحلة الشهرية إلى مكتبة جرير في شارع العليا بالرياض، أدخل تلك الصالة الشاسعة بحماس خاص وأتوه في خيارات الكتب، وأخرج بعد نفاذ صبر والدي مع كتاب للجاحظ أو ديوان شعر جاهلي.

انحصرت معرفتي بالكتب وقتها بتوجيهات أستاذ اللغة العربية، ونصائح كنصيحة ابن خلدون إذ صرّح بأن أركان الأدب العربي أربعةٌ لا خامس لها: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الأمالي لأبي عليّ القالي، وأن كل ما عدا ذلك ليس إلا رافداً لهذه الأنهار. وبناءً على هذا النصائح والتوجيهات، اقتنيتُ مجلدات الجاحظ كاملة، وديوان امرؤ القيس، وديوان أبي نواس، ولباب الأدب، ومثيلاتها.

كانت كتب الأدب العربي الكلاسيكي ضخمةً وباهظة الثمن، وأدرك الآن أنها لم تكن ملائمةً إطلاقاً لحياة مراهق أوائل القرن الواحد والعشرين. وقفت على رفّي كالواقف على الآثار. ومع ذلك، كنت فخوراً بها، كما يفخر المرء بأشياء أقرّ الآخرون قيمتها.

بعد مدة أهدتني زميلةُ والدتي، وهي طبيبة من مصر، عدة نسخ من “روايات الجيب”، نوت والدتها رميها. تنوعت الروايات بين قصص أجاثا كريستي، ومغامرات أرسين لوبين– عناوين ما كنت لأختارها لنفسي أبداً، والتي علّمتني شيئاً لم يعلّمني إياه ابن خلدون: أن القراءة لا يجب أن تكون شاقة. أن الكتاب يمكن أن يتغلغل فيك كما يتغلغل الماء في المسامات. قرأت تلك الكتب الورقية المهترئة كما يأكل المرء عندما يكون جائعاً حقاً، بلا منهج، بلا توقف، بلا رفع عيني.

عندما عدنا أخيراً إلى سوريا، كانت الكتب معنا في صندوق سيارة شيفروليه، وفوق ركبتي في حقيبة صغيرة. عند المعبر الحدودي، فتح ضابط الجمارك الصندوق، فوجد مجلدين غريبين في أعلاه، وسأل عما بداخلهما. أجاب والدي بلامبالاة وعفوية رجل لم يخجل يوماً مما يحمله صندوق: كتب.

حدّق به العسكري وكأنه أعلن شيئاً فاحشاً بعض الشيء. أوضح أن الكتب تتطلب موافقة وزارة الإعلام، وقاصداً أنها تحتاج موافقة سياسية. ثم، وكأن غفلة والدي المرحة قد ألغت البروتوكول المعتاد في مثل هذه المواقف، طلب منا الجندي التحرك بسرعة، لدرجة أنه نسي رشوته.

في حلب، كانت المكتبة العائلية النموذجية عبارة عن قطعة أثاث ضخمة من خشب الزان أو خشب السويد الثقيل، برفوف عريضة، وواجهات منحوتة بزخارف بديعة تزيد من وزن الخزانة، بينما توحي، بطموحاتها المعمارية الباهرة، بأن مالكها شخص ذو شأن. أحضرت مع الكتب من السعودية مكتبة إيكيا ببساطتها العملية الاسكندنافية؛ رفوف مصممة لتناسب عرض الكتب، وأبواب رقيقة من تشكيلة معقولة، ومقابض خشبية صغيرة لا تزيد عن طول سلامية الإصبع. كان هناك نوع من الصدق لم تستطع واجهات حلب المنحوتة تحقيقه. أن تحتوي المكتبة على كتب. أما ما عدا ذلك فهو مسألة غرور.

مع بلوغي سن المراهقة، انقلب هوسي مرة أخرى. انتقل هذه المرة إلى الروايات الأكثر مبيعاً المترجمة والصادرة عن الدار العربية للعلوم. ذلك النوع من الكتب الذي كان متوفراً بكثرة في مكتبات الرياض الضخمة، ونادراً ما تحتويه مكتبات حلب القديمة والصغيرة. لاحظتُ في نفسي نزعةً متكررة: لا أرغب بشيءٍ ما تماماً إلا عندما يصعب إيجاده. فالندرة، بالنسبة لي، نوعٌ من الإقناع. هذه نقطة ضعف، لكنها قادتني إلى أماكن استثنائية.

كان أحد تلك الأماكن متجراً صغيراً، شبه مخفي، يبيع كتباً باللغة الإنجليزية. بدأتُ أتردد عليه لا بسب لغتي الإنجليزية، وإنما لأنني كنتُ على وشك أن أتقنها. كنتُ أُعلّم نفسي اللغة عبر الانجذاب لوعود الأغلفة، والعناوين النادرة. هذه طريقة أخرى تُعلّمنا بها المكتبات. من خلال الشوق، من خلال الكتب التي لسنا مستعدين لها بعد، تلك التي نظل نتأملها بينما ما زلنا نتعلم كيف نصل إليها.

سمعتُ لاحقاً سؤالاً يُطرح على التلفاز، بنبرة مُفتعلة للعمق التي غالباً ما تتسم بها أسئلة البرامج الحوارية الافتراضية: لو اشتعلت النيران في منزلك، أي كتاب ستنقذ؟ الفرضية الضمنية هي أن لديك متسعاً من الوقت للاختيار.

عندما وصلت نيران الحرب إلى شارعنا، حملتُ المكتبة بأكملها. وبعد أن تنقلت بالمكتبة عبر 3 منازل تركت المكتبة كاملة عند نزوحي من المدينة.

أخذتُ بدلاً واحداً من الملابس. لم آخذ كتباً. واكتشفتُ، في هذا الاختزال، أن المكتبة لم تكن يوماً في الورق. وإنما في القراءة. في تراكم كل تلك الساعات، تلك الجدالات مع الصفحة، تلك الأمسيات في دكاكين حلب الصغيرة أبحث عن الكتاب الذي كدتُ أفقد الأمل في إيجاده. لم أستطع نسيان ذلك.

في الريف، بدأت من جديد. عثرتُ صدفةً على روايات أجنبية مختلطة بمجموعات من الملابس الأوروبية المستعملة. دفعتُ لتجار الأزمات سعر كتبي مرة أخرى ليحضروها مسافة 50 كم. وطلبت بعض الكتب من تركيا.

الجزء الثاني: الحب

ترى آن فاديمان، بدقة متناهية، أن الاختبار الحقيقي للعلاقة ليس اندماج الموارد المالية، ولا المنازل، ولا حتى العائلات، وإنما اندماج الكتب. قد يتشارك شخصان سريراً واحداً لسنوات، ومع ذلك يحتفظان بهويتهما المرجعية المنفصلة تماماً. لكن في اللحظة التي تتحد فيها رفوف الكتب، يحدث شيءٌ أكثر ترابطاً. يعلنان أن عوالمهما الداخلية صارت من الآن فصاعداً مشروعاً مشتركاً.

لم أكن أعرف شيئاً من هذا عندما التقيت بزوجتي. كل ما كنت أعرفه هو أنها تهتم بالكتب، وتحديداً وللأهمية، أن اهتمامها لا يشمل أدهم الشرقاوي. وأنها منفتحة لقراءة كتاب طويل وغير مشهور عن الفن يدعى “الفانوس السحري”. هذه التفاصيل كانت الجملة الأولى من حوار طويل لم نتوقف عنه أبداً.

كانت مكتبتي آنذاك متواضعة: بضعة أرفف في زاوية المنزل. وكانت مكتبتها أيضاً بضعة أرفف مصنوعة منزلياً بدافع شغف حقيقي لا بدافع التباهي. عندما خُطبنا وبدأنا نخطط لمنزلنا معاً، كانت المكتبة محور تصميم المنزل كلياً، وقبل أن يجمعنا سقف واحد، جمعنا كُتبنا في مكتبة.

ما اكتشفناه، ونحن نقارن مجموعاتنا كما لو كانت خرائط لأراضٍ متداخلة، كان متوقعاً وغريباً في آنٍ واحد. كانت هناك نسخ مكررة من أعمال دوستويفسكي، تراكمت بشكل مستقل، كما لو كنا نحاول حل المشكلة نفسها من زوايا مختلفة. تبرعنا ببعضها لمكتبة محلية كنوع من الانتشار. وجمعنا أيضاً رفاً مخصصاً لدواوين الشعر العربي، من مجموعة دار صادر، وأمكن معرفة الكتب التي اشتريتها قبل لقائنا وتلك التي اخترناها معاً، من خلال العلامات الصغيرة الموضوعة في دواوين مجنون ليلى وجميل بثينة مصطفة كشهود على مراحل الحياة.

كنتُ قد قرأتُ الشعر العربي في مراهقتي كتراكيب لغوية، جميلة لكن مغلقة، كما يبدو الزجاج الملون جميلاً من خارج كنيسة مغلقة. قرأته مرة أخرى، بعد لقائي بزوجتي، كشخصٍ يُدرك الآن ما كان الشعراء يصفونه. هذه إحدى الهدايا التي يُمكن أن يُقدمها لك قارئ آخر. لا يقدم توصية، ولا شرحاً، وإنما مفتاحاً. لم تشرح زوجتي لي القصائد، لكنها جعلت موضوعها مُتاحاً.

درست زوجتي الأدب الإنجليزي في الجامعة، ومع ذلك، في إحدى تلك المفارقات التي تتراكم في العلاقات الطويلة بهدوء، فإن معظم الكتب الإنجليزية في مكتبتنا هي لي. تقول إن الجامعة دمرت علاقتها باللغة الإنجليزية، كما تفعل الأنظمة التعليمية التي تُفسد موادها بإخضاعها لإجراءات جامدة. لقد فهمت هذا الخوف جيداً. لهذا السبب درستُ الاقتصاد في الجامعة بدلاً من الأدب، الفلسفة، الفنون التي أحببتها حقاً. كرهت الاقتصاد. مما يضمن أن هذا التخصص صار الآن أندر الأنواع في مكتبتنا.

***

لمدة ثماني سنوات بعد مغادرتي حلب، راودني الحلم ذاته.

أسير في المدينة سيراً على الأقدام، أزور مكتبة تلو الأخرى، أشتري الكتب التي طالما رغبت بها. الرحلة التي لطالما تخيلت القيام بها عندما أملك المال والوقت الكافي للقيام بها كما ينبغي. ثم، في طريقي إلى المنزل حاملاً الكتب بين ذراعي، كنتُ أنعطف عند زاوية لأجد نقطة تفتيش للشرطة العسكرية. انتهى تأجيل خدمتي العسكرية. أو ربما فقدتُ دفتري العسكري. أو ربما كانت الأوراق خاطئة بطريقة لا أستطيع تصحيحها، فأعتَقل، وأستيقظ مذعوراً، برعبٍ خاصٍّ يُصيب من يعرفون أن الحدود ونقاط التفتيش ليست مجرد افتراضات.

صار الحلم جزءاً من حياتي أثناء النوم، كما تصبح بعض الشوارع جزءاً لا مفرّ منه من معالم المدينة، هيكلي، جزء من هندستها المعمارية شئنا أم أبينا. أدركتُ أنه شكلٌ من أشكال الشوق يرتدي الزي الوحيد المتاح له. كان الحلم يدور حول حلب. كان يدور حول المكتبات. كان يدور حول الحياة التي تُقاطع في منتصف الجملة، والصبر الذي لا يُطاق المطلوب لانتظار استئنافها.

عندما سقط النظام، توقف الكابوس.

عدنا معاً، أنا وزوجتي، وزرنا المكتبات واحدة تلو الأخرى. تلك التي ما زالت قائمة، وتلك التي أعيد افتتاحها، والمتاجر الصغيرة والمتخصصة التي حلمت بها حرفياً، في الليل، لما يقرب من عقد من الزمان. اشتريت كتباً أكثر مما تتسع له الحقائب، واضطررنا لتفصيل مكتبة جديدة في المنزل لاستيعاب كل هذه الكتب.

الأمر الذي لم أعرف كيف أعبر عنه حتى وقفت في إحدى مكتبات حلب تلك مع زوجتي بجانبي هو أنني لو قمت بتلك الرحلة وحدي، بكل المال والوقت الذي أردته، لا أعتقد أنها كانت لتُرضي. لكانت النسخة المنفردة بمثابة استعادة، رجل يستعيد شيئاً سُلب منه. أما ما صارت عليه هذه الرحلة، فهو شيئ بُني في الوقت الحقيقي. نتبادل الآراء حول كتب معينة، ونضحك على أخرى، ونتناقش حول ما إذا كان بإمكاننا تبرير شراء كتاب آخر، ونتجادل بلطف حول الميزانية، ونخسر النقاش معاً. وكانت الكتب حملناها معنا من حلب سجلاً لظهيرة قضيناها معاً في مدينة جعلتنا نتوق للعودة إليها.

لقد بتُّ أؤمن أن عظمة الكتب لا تكمن في القراءة فحسب، وإنما في الرفقة التي نقرأ فيها، أو نناقش، أو نجادل، أو حتى نرفض إعارة الكتب. نادي الكتاب الثنائي يبقى نادياً، ونادينا يتميز بذوق مشترك، وخلاف دائم حول ترتيب الرفوف، وعجز مشترك عن مغادرة المكتبة دون إنفاق أكثر مما خططنا له.

لذلك عندما أتى زلزال شباط 2023، خرجتُ هذه المرة مع زوجتي فقط.

لم آخذ كتبًا. لم يكن هناك سوى الظلام والضجيج ورحمة البقاء على قيد الحياة معًا في الخارج تحت المطر. لاحقًا بعد هدوء الهزات الارتدادية، عدتُ لأخذ الأشياء الضرورية: وثائق، وملابس، وقواعد البقاء العملية. ثم، وبشكل شبه تلقائي، تناولتُ كتابين هما أوراق العشب لوالت ويتمان وميتامورفوسيس أوفيد. ليس لأنهما أهم كتابين على الرف، ولا لأنني كنت قد أعددتُ قائمة أولويات، أو لأن حسابات أدبية ما قد حسمت أخيرًا السؤال التلفزيوني القديم حول أي كتاب يجب إنقاذه. أخذتهما كما يلتقط المرء صورة في حالة طوارئ كدليل وذكرى للمكتبة في يدي تحسبًا لانهيار المنزل بكل ما فيه.

لقد فكرتُ في سبب اختياري لهذين الكتابين تحديدًا، ولستُ متأكدًا من قدرتي على تفسير ذلك بعقلانية تامة. لعلّ الكتابين يتناولان تحوّل الذات التي تبقى رغم التغيير، ولا تفتأ تُغني، وتتكلم. ربما مدّدتُ يدي ببساطة إلى أقرب ما كان. ربما، بعد كل تلك السنوات من البناء والفقدان وإعادة البناء، كوّنت يداي قائمة مراجع خاصة بهما. مهما كان السبب، حملتهما إلى برد شباط القارس، ولم ينهار المنزل، وبقيت المكتبة قائمة عند عودتنا.

أصبح لدينا طفل الآن. وجدت زوجتي اسمه، بعد أشهر من البحث، وهي تتصفح العناوين على كعاب الكتب، حتى وقعت على اسم مؤلف كتاب “في بحث عن الزمن المفقود”.

بوجوده، يُفتح جناح جديد في المكتبة. أغلفةٌ زاهية، كلماتٌ بسيطة، أدبُ البدايات. إنها تحت كتاب دوستويفسكي وفوق الأرض، وسيكبر يوماً ما ويتجاوزها في كلا الاتجاهين، وسنكون هناك لنُسلّمه ما سيأتي بعد ذلك، كما يُسلّم الناس ما ورثوه، بشكلٍ ناقصٍ وبأملٍ عظيم.

أفكر في الجندي على الحدود السورية – ذلك الذي سمح لنا بالمرور لأنه لم يستطع أن يتخيل لماذا قد ينقل أي شخص صناديق كتب، ورفوف إيكيا في حلب، والمكتبة التي بنيتها بما أنفقته على الغداء في الرياض، والكتب التي دفعت ثمنها مرتين. أفكر في الحلم، وفي نقطة التفتيش التي لم تكن موجودة عندما عدنا أخيراً.

المكتبة سجلٌ لحياةٍ نُظِّمت حول الإيمان بأن العالم الداخلي جديرٌ بالبناء، جديرٌ بحمله عبر الحدود، جديرٌ بالحلم به، جديرٌ بمشاركته مع شخصٍ آخر، تكشف رفوفه، حين تُلامس رفوفك، خريطةً لمكانٍ تعرفانه معاً، ربما بشكلٍ غير متوقع.

كتبها:

رافاييل لايساندر