العبثية الاجتماعية، أو ما بعد الثورة

صراحةً، لم أكن لأختار هذا الكتاب من تلقاء نفسي. لم أسمع بعنوانه في أي نقاش أدبي، ولم أحتجه كمرجع، كما لم يكن لديّ سببٌ وجيهٌ للبحث عنه. أول ما لفت انتباهي كان تصميم الغلاف: بسيط، لافت، من نوع الاقتصاد البصري الذي يوحي بالاهتمام وعدم الحاجة للإبهار. لم أعلم إلا لاحقًا أن المؤلف هو من صممه بنفسه، وهو ما بدا مناسبًا لمجموعة تُعنى باستمرارية الحرف الفردية في عالمٍ يطمسه التطور الصناعي. ثم اكتشفت شيئًا آخر: اسم المؤلف ليس غريبًا. كنا زملاء، أي أننا كنا نتدرب في ذات المؤسسة، وربما تناقشنا في إحدى المحاضرات دون الانتباه للطرف الآخر. أعطاني هذا التقارب العرضي سببًا كافيًا للمغامرة في الكتاب. ما وجدته هناك فاجأني، لذلك هذه قراءة في الاكتشافات غير المتوقعة والجواهر الخفية، الأدب الذي يعيش بجانبنا دون أن نلاحظه حتى تكشفه صدفة كونية.

قراءة هذه المجموعة بمثابة دخول عالمٍ تكمن فيه المشكلة الفنية المركزية في كيفية إظهار اللحظة التي تصير فيها الحياة الداخلية غير متوافقة مع استمرار الوجود. هذا أدبٌ أخلاقي بالمعنى الغاردنري؛ لأنه يأخذ على محمل الجدّ مسألة كيف ينبغي للمرء أن يعيش حين يصير العيش نفسه مستحيلاً. عامل العبّارة الذي يقفز في قناته بدلًا من أن يُنهي حياته، والخياط الذي سُحق تحت الديناميت مع ذكرياته، وعامل السطح الذي لا يُحقق التسامي إلا في سقوطه المميت، هؤلاء شخصيات بشرية متخيلة تواجه الأسئلة الصعبة، ويكمن إنجاز الكاتب في أنه لا يتردد أبدًا في مواجهة الإجابات التي تكتشفها شخصياته.

شبح طارق عبد اللطيف الذي يلاحقه هو طمس هوية الفرد المهمش وإرثه. وبالطبع، هذه ليست فكرة جديدة في الأدب. لكن ما يميز هذا العمل هو الدقة المتناهية التي يتناول بها هذه الفكرة عبر مستويات متعددة: السياسي: ثورة 2011 كصدع بين الأجيال، والاقتصادي: مشاريع التنمية التي تدفن حرفيًا العادات القديمة، والنفسي: الحوادث التي تحطم الهويات المبنية بعناية، والميتافيزيقي: عجز اللغة عن سد الفجوة بين الذات والعالم.

تأمل في الإنجاز التقني لقصة مثل “المعديّة”. يبني السرد عالمه من خلال التراكم المعماري ممثلاً برائحة القناة، وملمس الحبل الذي ترك بصماته على يدي عامل العبّارة، وطقوس تناول شطائر الصباح وسط الضباب. هذه هي العناصر البنيوية للوعي. عندما يخبرنا الكاتب أن عامل العبّارة ينظر إلى وظيفته التي دامت ثلاثين عامًا على أنها “مهمة مقدسة”، فإننا نصدقه لأن النثر نفسه قد جسّد هذه القدسية من خلال اهتمامه الدقيق بالطقوس والتكرار. يخلق هذا الأسلوب حلمًا حيويًا متواصلًا يبدو أكثر واقعية من الواقع نفسه.

لكن هنا ينحرف الكاتب عن النموذج الغاردنري بطريقةٍ مُقلقةٍ وضروريةٍ في آنٍ واحد، فلا تُقدّم أي عزاءٍ من قبيل رؤيةً ما للإمكانات الإنسانية، وتلميحًا إلى أن الحياة، مهما كانت صعبة، تحمل في طياتها بذور المعنى. فعندما يُقرر ردم القناة لأغراض التطوير، لا يتأقلم عامل المعدية أو يجد غايةً جديدة، بل يقفز في الماء ويسمح لنفسه بأن يُدفن مع ثمرة حياته. يجعلنا أسلوب الكتابة نشعر بأن هذا الخيار ليس انتحارًا، وإنما الرد الوحيد المتاح لرجلٍ صارت هويته بأكملها باليةً بفعل قوى لا يستطيع السيطرة عليها أو حتى فهمها تمامًا.

وهذا يقودنا إلى أكثر الاستراتيجيات الفنية إثارةً للقلق في الكتاب؛ أي استخدامه للحوادث كعوامل محفزة عنيفة تُغيّر الهوية تغييرًا جذريًا. ففي قصةٍ تلو الأخرى، نشاهد كيف تتحطم حياةٌ بُنيت بعناية بفعل أحداثٍ عشوائية، كحجرٍ يُلقى عبر نافذة قطار، أو حادث سيارة أثناء مباراة كرة قدم، أو تعثّرٍ بأسلاك الأقمار الصناعية أثناء مطاردة قطة. يدرك الكاتب جوهر الصدمة النفسية، حيث أنها تُحطّم الرواية التي نرويها لأنفسنا عن هويتنا.

تفقد زينب، المحامية التي تخلّت بنجاح عن هويتها الريفية لتنعم برقيّ المدينة، عينها بسبب حجر عشوائي، وتتحوّل إلى امرأة منعزلة لا تجد رفقةً إلا في نظرات أسماك الزينة الجامدة. أما الرجل الذي عاش حياته كلها يسير على “خطوط بيضاء مستقيمة” هربًا من فوضى العلاقات الإنسانية، فيحتاج إلى حادث سيارة ليُذيب جموده. يصوَّر طارق هذه التحوّلات بدقة نفسية، حتى أنها تُحقّق براهين تجعلنا نُومئ برؤوسنا مُقرّين حتى ونحن ننفر مما نُقرّ به.

يتبلور في هذه القصص رؤية للحياة المصرية الحديثة كمساحة من الاغتراب العميق، حيث يوجد الفرد كتروس في “آلة كبيرة تدر الربح لأشخاص آخرين”، كما تصف إحدى الشخصيات صراحةً. لكن الكاتب أرقى من أن يكتفي بالهجوم على الحداثة أو التطور. لا تكمن مشكلة شخصياته في تغير العالم – فالتغيير حتمي – وإنما في افتقارهم إلى اللغة أو الإطار اللازم لترجمة أنفسهم إلى النظام الجديد. إنهم، بالمعنى الحرفي للكلمة، تائهون في الترجمة.

وتُجسّد الثورة في هذه القصص الفشل الذريع للغة. كان من المفترض أن تكون اللحظة التي يجد فيها من لا صوت لهم صوتهم، اللحظة التي تُترجم فيها الكرامة والعدالة إلى واقع ملموس. لكنها تحولت بدلاً من ذلك إلى برج بابل آخر، حيث يصرخ الجميع بألسنة لا يفهمها أحد سواهم. يصف محروس “العيال” الثوار بأنها متروكون “يهوهو”، ويظل واثقاً من أن “الحكومة تعرف كيف تُسيطر”. تُختزل الثورة إلى “اضطراب مؤقت”، وتستمر مملكة محروس من الاستبداد الصغير.

ما يمنع هذه الرؤية من أن تتحول إلى مجرد يأس هو اهتمام الكاتب الدقيق بتفاصيل حياة شخصياته الداخلية. فهو لا يسمح لهم أبداً بأن يصبحوا مجرد رموز للفشل السياسي. الحاج سعيد ليس حرس قديم متشبث بالماضي، وإنما رجلٌ تحمل أصابعه آثار وخز الإبر، وتفوح من متجره رائحة الأقمشة المكدسة، ويتردد فيه صدى صوت أم كلثوم، وعالمه الحسي برمته على وشك أن يُباد بالديناميت. عندما يختار البقاء في المبنى أثناء انهياره، نشعر بثقل هذا الاختيار كضرورة إنسانية، وليس كبيان سياسي.

يتناول هذا العمل الأدبي موضوع الهوية الريفية مقابل الهوية الحضرية على نحو مماثل. دون الدوران في فلك الرواية المألوفة عن براءة الريف الذي أفسدته رذائل المدينة. يقدم الكاتب كلا المكانين على أنهما مُغَرِّبان بنفس القدر، وقادران بنفس القدر على إخفاء الفرد. إن تحوّل زينب من ابنة ريفية إلى محامية حضرية لا يُمثل ارتقاءً اجتماع بقدر ما هو انتقال أفقي من شكل من أشكال التهميش إلى آخر. في أسيوط، هي الفتاة التي نجت، يُنظر إليها بمزيج من الفخر والاستياء. وفي القاهرة، هي المرأة المهنية التي تعتمد سلطتها على قدرتها على جذب أنظار الآخرين. عندما يسرق الحادث عينها ويجعلها موضع شفقة بدلًا من الإعجاب، تنهار هويتاها معًا.

يُظهر فهم طارق عبد اللطيف للطبقة الاجتماعية دقةً مماثلة. فلا يصور لعامل الذي يطارد قطة، كعامل نبيل أو ضحية مثيرة للشفقة، وإنما ببساطة على أنه رجل يُعدّ الشاي والقهوة، ويعيش في غرفة ضيقة، ويشعر بأنه مجرد ترس في آلة تُدرّ الربح للآخرين. ويمكن تفسير إدراكه الأخير بأن حلمه هو الطيران إما على أنه سموّ أو وهم، ويرفض النص حسم هذا الأمر. وفي هذا الرفض تكمن قوة القصة.

يتكرر في جميع هذه الروايات موضوع القفز– من القطارات، ومن الشرفات، وفي القنوات، ومن الأسطح. هذه هي السمة المميزة للمجموعة، وقد يكون من السهل تفسيرها على أنها مجرد يأس، سلسلة من حالات الانتحار التي تؤكد استحالة وجود ذي معنى. لكن الكاتب يفعل شيئًا أكثر تعقيدًا. هذه القفزات هي تأكيد على المعنى عوضًا عن الهروب منه. في عالمٍ صار الفرد فيه عاجزًا، حيث تخون اللغة، وتخون الثورات، وتُحطم الحوادث، تصبح القفزة آخر أشكال الإرادة المتاحة. إنها اللحظة التي يقول فيها الشخص: إن لم أستطع التحكم بحياتي، فبإمكاني على الأقل التحكم بموتي.

لهذا السبب، غالبًا ما يُصوّر النثر هذه السقطات كانتصارات. عامل السطح لا يموت يائسًا، بل يُحقق التحليق. مُشغّل العبّارة لا ينتحر، بل يُؤدي مهمته المقدسة بالدفن مع قناته. راوي “الهروب” لا يهرب من القطار مهزومًا، بل يتخذ خيارًا واعيًا بالانطلاق نحو المجهول بدلًا من تحمل ركود الرحلة. يُجبرنا الكاتب على أخذ هذه الرؤى على محمل الجد، وعلى التفكير في احتمال أن القفزة إلى العدم، في ظروف معينة، لا تُمثل غياب المعنى، بل حضوره المُرعب.

لو أمكنك بطريقة ما تجريد هذه القصص من حبكتها – إزالة الشخصيات، والثورات، والحوادث – لما تبقى سوى لوحة حسية بالغة الدقة. سيبدو النثر ثقيلاً ورطباً، مفعماً بالعرق ومياه القنوات. سيبدو إيقاعه آلياً، مدفوعاً بآلات الخياطة وعجلات القطارات ودقات الساعات. سيقطع كزجاج مكسور، وينفجر كالديناميت، ويصطدم كجثث تصطدم بالأرض. هذه كتابة تفهم الملمس كمعنى.

لكن أسلوب طارق يعرف أيضاً كيف يثير الذعر. في قصة “سقوط حر”، تتسم الجمل بالهلع والضيق، واصفةً الأعراض الجسدية للخوف بدقة– يرتجف البطل، ويتصبب عرقًا من كل جانب، ويشعر بقلبه يخفق بشدة عند سماع رنين الهاتف. يغلب على النص هنا طابع البلل والاختناق، وإحساس الجسد بخيانة ذاته.

يتميز نثر المجموعة أيضًا بصفة غريبة يمكن تسميتها بالواقعية النبوئية. فعلى الرغم من التفاصيل الدقيقة والواقعية، تتحدث الشخصيات أحيانًا بأسلوب راقٍ، يكاد يكون فلسفيًا، يبدو طبيعيًا تمامًا في العالم القصصي. يصف عامل العبّارة وظيفته بأنها مهمة مقدسة “لإنقاذ العالم”. ويقدم الراوي في قصة “الهروب” تعليقًا ساخرًا على الحياة في العالم الثالث حيث لا تصل القطارات أبدًا في موعدها. لا تُفسد هذه اللحظات الحلم الروائي أبدًا، لأن الكاتب استحقها بجدارة من خلال التزامه بتصوير الحياة الداخلية لشخصياته بكل جدية. فإذا كان مُشغّل العبّارة يؤمن بقدسية مهمته، فإنّ أسلوب الكتابة يحترم هذا الإيمان بما يكفي لعرضه دون سخرية.

تُخيّم ظلال كامو وكافكا وبيكيت على هذه الصفحات، لكن الكاتب لا يُقلّد وإنما يُكيّف أساليب الحداثة ليُصوّر تجربة اغتراب مصرية خاصة، تجربة تشكّلت بفعل الثورات الفاشلة، ومشاريع التنمية الطموحة، وعنف التحوّل الاجتماعي السريع.

لا شك أن العبثية الكاموية حاضرة هنا. يُذكّرنا عمل عامل العبّارة المتكرر بسيزيف وصخرته. لكن بينما أوحى كامو بأن نتخيل سيزيف سعيدًا، يُقدّم طارق رؤيةً أكثر قتامة: عندما ينكسر الروتين، عندما تُزال الصخرة، تصبح الحياة لا تُطاق. الروتين المقدس ليس فخًا يُفرّ منه، بل هو الشيء الوحيد الذي يمنع الفراغ من الانفتاح تحت أقدامنا.

من بيكيت يأتي شعور الانتظار، وفشل اللغة، والعبثية الدائرية للوجود. قد يكون صاحب المتجر الذي يعاني من ضعف السمع ويعتمد على شبح والده، والرجل الذي يرفض التحدث إلى أصدقائه ولا يمشي إلا على الخطوط البيضاء، شخوصًا خرجت من مسرحية لبيكيت. لكن بينما تتسم رؤية بيكيت بكآبةٍ كونيةٍ تقريبًا، يُرسّخ طارق عبثيته في ظروفٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ محددة. لا تنتظر شخصياته غودو، بل تنتظر تعويضاتٍ حكومية، وقطاراتٍ لن تسير في موعدها أبدًا، وثوراتٍ تعد بالتغيير ولا تجلب سوى الركود.

لقد استوعب طارق تقنيات العبثية الأوروبية، لكنه وظّفها لخدمة رؤيةٍ مصريةٍ لا تنفصم. والنتيجة هي شكلٌ هجينٌ يُمكن تسميته بالعبثية الاجتماعية. أدبٌ يفهم الاغتراب الفردي على أنه لا ينفصل عن ظروفٍ تاريخيةٍ واقتصاديةٍ محددة، بينما يرفض اختزال الشخصيات إلى مجرد أعراضٍ لتلك الظروف.

في المحصلة، يكمن سرّ فرادة “محروس وقصص أخرى” في كيفية تضافر جميع عناصرها لتكوين رؤية متماسكة لزمان ومكان معينين. لقد صور طارق عبد اللطيف القاهرة وأسيوط في السنوات المحيطة بعام ٢٠١١ بدقة حسية وفطنة نفسية تجعلها مرجعًا أدبيًا. سيجد القراء في المستقبل، الراغبون في فهم تجربة العيش في تلك اللحظة -لا عناوين الأخبار أو الأحداث التاريخية، بل تفاصيل الحياة اليومية، وعبء حمل الجسد في أماكن لم تعد ترحب به- في هذه القصص سجلًا لا يُقدَّر بثمن.

وإن كان للكتاب نقطة ضعف، فهي تكمن في تركيزه المفرط على فكرة واحدة. فالتكرار المهووس لنفس المواضيع، ونفس دوافع القفز والهشاشة والفشل، قد يُشعر القارئ بالاختناق. يتمنى المرء أحيانًا لحظة فرح حقيقي أو تواصل، شيء يخفف من وطأة سرد الخسائر المتواصل. لكن ربما يكون هذا الشعور بالاختناق مقصودً، جزءًا من حجة الكتاب. فهذه الشخصيات لا مفر لها من ظروفها، فلماذا ينبغي للقارئ أن يجد مفرًا؟

لدى كاتب هذه القصص ما يقوله عن كيفية عيشنا اليوم، وعن ثمن الإنسانية في عالم يُعامل البشر كأنهم سلعٌ تُستغنى عنها. وقد وجد شكلاً مناسباً لتلك الرؤية. وهذا إنجازٌ عظيم.

كتبها:

رافاييل لايساندر