الواقعية الفجة

الكتاب في هذه المراجعة: معرض الجثث، لحسن بلاسم، صدر عن المتوسط للنشر عام 2015

هناك شيءٌ غريب ومريب في قراءة “معرض الجثث” لحسن بلاسم. يشبه الأمر السير بين أنقاض مبنى مدمر نتيجة كارثة، ونرى أطرافاً بشرية تبرز من بين الركام، ومع ذلك لا يُمكننا أن نُشيح نظرنا عن المشهد. تُمثل هذه المجموعة القصصية ما يُمكن تسميته بأدب الكوارث. التجربة الخام لمن ذاقوا أتون الحرب، وليس رواية مُنقّحة تُرضي رؤساء تحرير الصحف.

عراق حسن بلاسم ليس عراق الخطابات السياسية أو التحليلات الاستراتيجية. وإنما مشهدٌ مُمزّقٌ أصبح فيه العنف شائعًا كالتنفس. الخلفية مألوفةٌ بما فيه الكفاية: الديكتاتورية، والغزو، وسفك الدماء الطائفي، والتطرف. لكن بلاسم يرفض اعتبار هذه الأمور تجريدات فقط. بدلًا من ذلك، يُظهر لنا جثثًا عُثر عليها على ضفاف نهر دجلة، ومشارح تعجّ بالموتى، ورجالًا يفرّون في شاحنات مُبرّدة للوصول إلى أوروبا.

ما يُلفت الانتباه فورًا هو غياب البطولة، فلا تضحيات نبيلة هنا، ولا خطابات عن الديمقراطية أو الحرية. يوثّق بلاسم ما يغفله معظم مراسلو الحرب: رعب الحياة اليومية. الخوف في هذه القصص هو “جيفة متعفنة” والعقل “ضبع يبحث عن جيفة”. الاستعارة منفرة عمدًا، رافضةً التعبيرات الملطفة المزخرفة التي نتعامل من خلالها عادةً مع العنف.

تتحرك شخصياته كحيوانات جريحة في مجتمع منهار. يطلب رجل يُدعى سليم اللجوء في هولندا، مُغيّرًا اسمه هربًا من هويته العربية. آخر يحمل كيسًا من العظام عبر الحدود. ثالث يُكافح لتعلم اللغة الهولندية، يائسًا للتخلص من كابوس ماضيه. شخصيات ليست لاجئين رومانسيين من خيال ليبرالي، وإنما شخصيات مُرتبكة، وأحيانًا غير متعاطفة، تُحاول النجاة في عالم اليوم.

تُميّز المجموعة بين “القصص الأرشيفية” المتمثلة في الروايات الرسمية المُقدّمة لمسؤولي الهجرة، و”القصص الواقعية” أي السرديات المُشوّشة والمتناقضة للتجربة الفعلية. هذا التمييز جوهر مشروع بلاسم. فهو يسعى إلى التنقيب عمّا لا تحتويه السجلات الرسمية، وذاك هو الدمار النفسي الناتج عن حالة طوارئ دائمة.

يمكننا أن نصف أسلوب بلاسم بأنه واقعية فجة تمامًا، إذ تشبّه كتاباته طبيباً يُشرّح أنسجة حية بمشرط. فهو يُزيل دقائق الأدب ويكشف عن جوهر الصراع. قد تكون لغته مبتذلة، وصوره مُقلقة. لكنه ببساطة يستخدم التصميم لإظهار ما يفعله العنف بالبشر، جسديًا ونفسيًا.

تكشف المجموعة كيف تتدفق الأحداث السياسية الكبرى، من صعود وسقوط الطغاة، وتدخل القوى الأجنبية، إلى ظهور التطرف الديني، لتمحو حياة الأفراد. يشعر رجل في “ساحة التحرير” بالغربة عن الأجيال الشابة التي لديها تفسيرات مختلفة للتاريخ. تبتكر قرية لغتها الخاصة بعد أن عانت من صدمة جماعية. هذه هي العواقب الإنسانية للتحولات الجيوسياسية التي نادرًا ما تُسلّم بها أوراق السياسات.

ما يجعل هذه المجموعة متفردة بشكل خاص هو رفضها لكل من العاطفية والانفصال الساخر. لا يطلب بلاسم دموعنا ولا يدعونا للتأمل في قدرة البشر على الصمود. يعرض ببساطة واقع الحياة تحت ضغط هائل، حيث انهارت الافتراضات الأساسية للمجتمع. هذا ليس سياحة فقر أو إباحية كوارث، بل هو أدب شاهد عيان من الطراز الأول.

قد تكون كتابات بلاسم ببنيتها المجزأة تصنّعًا أدبيًا حداثياً، لكنها قد تكون تقنية ضرورية أيضًا. العناصر السريالية الحالمة التي تتخلل هذه القصص -والتي قد تبدو في سياق آخر إفراطًا فنيًا- هي في الواقع تمثيلات لواقع مشوه لدرجة أن السرد التقليدي لا يستوعبه. عندما يُدمر العالم، لا يمكن إلا لأدب ممزق أن يجسده بصدق.

لنأخذ القصة التي تحمل عنوان الرواية، والتي تتمحور حول مفهوم غريب لـ”معرض الجثث”، حيث يتعين على العميل اقتراح طريقة قتل قبل عرض الجثة. ليست القصة حكاية رعب شعبية، وإنما استعارة لتسليع العنف، كيف يصبح الموت مشهدًا في منطقة حرب. يُظهر لنا بلاسم كيف تُطبّع الظروف القاسية ما لا يُصدق. تكمن فطنته في رفضه التعامل مع هذه السريالية كشيء منفصل عن الواقع؛ بل يستخلصها طبيعياً من منطق مجتمع أصبح فيه العنف عملة. يكشف عنصر العنف الطائفي المتكرر في هذه السرديات ما ما تغفله التحليلات السياسية غالبًا: البُعد الشخصي للصراع الأيديولوجي. نرى كيف تُصبح الاختلافات الدينية أو السياسية المجردة ذرائع لأفظع الفظائع. إن المشرحة الممتلئة بالجثث ليست مجرد صورة صادمة، بل هي تجلٍّ ملموس لما تُنتجه الطائفية في الواقع. يرفض بلاسم التخفيف من وطأة هذا الأمر بعبارات مبتذلة عن المصالحة أو الوحدة.

موضوعا النزوح والهوية متلازمان في هذه المجموعة. تحاول شخصيات مثل فوينتس إتقان اللغة الهولندية والتحكم في أحلامها، معتقدةً أن البقاء على قيد الحياة يتطلب التخلص من ذواتها السابقة. لكن بلاسم يُشير إلى أن إعادة اختراع هذه الهوية نادرًا ما تُكتب لها النجاح. يتشبث الماضي بلاجئيه كالظل. محاولاتهم للاندماج في مجتمعات جديدة تُهددها ذكريات لا يستطيعون الفرار منها. يتجنب هذا التصوير كلاً من السرديات المتفائلة للاندماج الناجح والنظرة المتشائمة بأن المهاجرين يظلون غرباء إلى الأبد. بدلاً من ذلك، يُجسد الواقع النفسي المعقد للنزوح.

ما قد ينتقده البعض باعتباره نظرةً ساخرةً للعالم في الكتاب هو في الواقع أعظم نقاط قوته. برفضه لراحة الأمل المنومة، يحترم بلاسم ذكاء القارئ وجدية موضوعه. هناك لمحات من الأمل والصمود في هذه القصص، لكن غالبًا ما تُطغى عليها مشاعر اليأس والعجز. هذا ليس عيبًا، بل اعترافٌ بأن دسَّ أملٍ مصطنع في هذه الروايات سيكون خداعًا. لا يحتاج من يعيشون هذه القصص إلى طمأنتنا العاطفية، ولكنهم يحتاجون إلى استعدادنا للنظر مباشرةً في ظروفهم.

يخدم استخدام بلاسم للغة فظة أو مبتذلة غرضًا مشابهًا. لطالما فشلت المفردات المهذبة في البيانات الدبلوماسية والتقارير الإخبارية في نقل حقيقة الصراع. عندما تستخدم شخصيةٌ ما تعبيراتٍ قاسية، فليس ذلك لإثارة الصدمة، بل لأن اللغة المُنقَّحة لا تستطيع التعبير عن مدى قسوة تجربته. يُذكرنا هذا الاختيار اللغوي بمدى سهولة حجب الخطاب التقليدي للحقيقة. يكشف بحث المجموعة في الذاكرة والصدمات النفسية عن أمرٍ جوهريٍّ في الصراع غالبًا ما يُغفل عنه: إنه لا ينتهي بانتهاء القتال. الشخصيات تُطاردها ذكريات ما شهدته. الماضي يُداهم الحاضر باستمرار. في هذا، يُجسّد بلاسم ما يعرفه كل مجتمع شهد الحرب ولكنه نادرًا ما يُعبّر عنه – وهو أن العواقب النفسية قد تكون مُدمّرة بقدر العنف الأصلي.

إذًا، تُعدّ مجموعة قصص “معرض الجثث” قيّمة لأنها لا تُقدّم أي تنازلاتٍ في سبيل إرضاء القارئ. فحسن بلاسم يرفض الميل إلى تغليف المعاناة بطرقٍ تجعلها مُستساغةً أو مُفيدةً. لا توجد هنا رسالةٌ مُلهمة، ولا ضمانةٌ بأن البشرية ستنتصر. هنالك إصرارٌ مُستمرٌّ على إظهار ما يحدث حقيقةً عندما تتفتّت المجتمعات ويقع الناس العاديون في قبضة قوى خارجة عن سيطرتهم.

كتبها:

دريد الغزال