الكتاب في هذه المراجعة: الخروج من غيط العنب، لمي المغربي، صدر عن ديوان للنشر 2025
ترفض رواية “الخروج من غيط العنب” راحةَ المسافةِ التلصصية، وتُشعرك، على مستوى التركيبِ اللغويّ، بمعنى انهيارِ الأرضِ تحتَ إحساسِك بذاتك. هي روايةٌ قصيرةٌ تفوحُ منها رائحةُ شحمِ الدراجاتِ الناريةِ ومياسما القنواتِ الراكدة، وتتحركُ بإيقاعٍ مُتقطّعٍ كجسدٍ يخجل الرقص. تصف الراوية نفسها بأنها “رجل في جسد امرأة”، وهو ادعاء يبدو أقرب إلى محاولة يائسة من شخص يحاول إيجاد ذاته في معادلة مُعدّة مسبقًا، منه إلى نظرية الجندر المعاصرة. تقف الراوية -ناصرة- على عتبة شقتها الجديدة، ممسكةً بملف وثائق (شهادات ميلاد، شهادات وفاة، كل ما يكتنف تاريخ عائلتها المؤلم)، وتعيش نوعًا من الحرمان المزدوج، فقد فقدت معالم طفولتها، وكذلك أي إحساس ثابت بمن كان يسكن ذلك المكان الذي هُدم الآن.
هذا كتاب عن أحياء تختفي، وربما بشكل أكثر إلحاحًا، عن استحالة الحداد على ما لست متأكدًا من أنك سكنته أصلًا. ويطرح سؤالًا لا يجيب عليه النص تمامًا: ما الذي يبقى عندما يرفض كل من الجسد والجغرافيا الثبات لفترة كافية ليتم تسميتهما بالوطن؟
مي المغربي مهووسة، في المقام الأول وبإصرار شديد، بتشابك الهوية الشخصية والفضاء المادي، وهو ما قد يبدو كشيء يُقرأ في ندوة دراسات عليا حول نظرية التجسيد، ولكنه يتجلى في هذا النص كشيء أكثر عمقًا ويأسًا عير قناعة ناصرة بأن إحساسها بذاتها -المُصنفة لا كما تشعر جندريًا، والمُشوهة نفسيًا لدرجة عدم وضوحها، والمُهجرة مكانيًا- ينعكس في العمارة المتداعية لحيّها، ويتطابق معها بطريقة ما، بحيث يصير هدم غيط العنب بمثابة اعتداء ثانٍ على جسدٍ سبق أن شُوه حتى فقد تماسكه.
يشع هذا الهوس الأساسي إلى الخارج عبر عدة هواجس متشابكة، يعمل كل منها كدليل وثائقي:
الهاجس الأول: الجسد كنص غير موثوق
تتسم علاقة الراوية بجسدها بما يمكن وصفه بالتنافر العميق الذي لا حل له. فهي تُصرّ على أنها رجل في جسد امرأة كحقيقة تجريبية لا حجة سياسية. وهذا ليس مجازًا، فعندما يضربها شقيقها سامي بوحشية كافية لإيقاف دورتها الشهرية تختبر هذا التوقف ككشف لا إصابة، كما لو أن “الرجل في داخلها” قد حقق أخيرًا نوعًا من الانتصار الفسيولوجي على “المرأة” التي خمدت. تُصبح مهووسة بالندوب، الظاهر منها والخفي، مقتنعة بأن الآخرين يستطيعون إدراك الضرر الداخلي حتى عندما تُظهر مرآتها وجهًا صافيًا. بعبارة أخرى، يصير الجسد مسرحًا لفحص جنائي دائم، مسرح جريمة لا تستطيع التوقف عن زيارته.
يذكرنا هذا الهاجس، واللغة المستخدمة معه، برواية نوال السعداوي. وعلى غرار امرأة عند نقطة الصفر، يضع هذا النص جسد المرأة في صميم الصراع السياسي، كموقع تتجلى فيه السلطة الأبوية بأوضح صورها. إن هوس الراوية بانقطاع دورتها الشهرية، وبتكيس المبايض الذي يصر الأطباء على أنه لا يُشفى إلا بالزواج، وبكيفية تعاون السلطة الطبية مع التوقعات الاجتماعية لترويض أجساد النساء وإجبارهن على الخضوع للإنجاب، كل ذلك يتردد صداه في مشروع السعداوي الذي امتد طوال مسيرتها المهنية، والذي يهدف إلى فضح كيفية عمل القمع الجندري من خلال التنظيم البيولوجي والتطبيب.
ويتجاوز هذا النص إطار السعداوي، بأن ناصرة لا تُقاوم فقط النظام الأبوي الذي تجلى بأبشع صوره في اعتداء أخيها، ولكنها تُكافح أيضًا جسدًا تشعر أنه مُشوّه، كخطأ بيولوجي يُفاقم العنف الاجتماعي المُوجّه ضدها. يشير النص إلى أن اضطهاد النوع الاجتماعي لا يقتصر على القيود الخارجية فحسب، بل يتعداها إلى مشكلة جوهرية تتعلق بالتجسيد نفسه، أي الشعور بالانحصار في جسد لا يتوافق مع الوعي.
وهنالك كذلك صلة روحية بين نص مي وأعمال جيمس بالدوين، وانشغال مشترك بمعنى حمل أشكال متعددة من الاختلاف في جسد واحد. ومثل رواة بالدوين وشخصياته الرئيسية، تنشغل ناصرة بالندوب الخفية، بالعلامات التي تجعل المرء غير مفهوم حتى لعائلته، وبالطريقة التي تُنقش بها أشكال معينة من الاختلاف على الجسد بطرق بالغة الوضوح وفي الوقت نفسه تُفهم بشكل خاطئ تمامًا. ويتجلى هذا التشابه بقوة خاصة في كيفية تعامل الكاتبين مع الصدمات الموروثة، وكيف ينتقل ألم الأجداد عبر الأجيال ويستقر في الحاضر.
أعمق ما يجمع بين بالدوين وهذا النص هو التزامهما بربط القمع الممنهج بالتجربة الجسدية الفردية، وبيان كيف تُحسّ مفاهيم مجردة كبرى كالنظام الأبوي أو العنصرية أو التهجير في جسد معين في لحظة معينة. رائحة قشور السمك على ملابس المعزين، وعويل العديد الطقسي، والإحساس الخاص بيد الأخ وهي تشدّ الشعر أثناء الاعتداء. أصر بالدوين على أن التحليل السياسي يجب أن يبدأ بالإحساس الجسدي، بواقع الألم والإذلال الذي لا يُنكر، وبذاكرة الجسد للانتهاك.
تتلخص الحجة التراكمية التي يقدمها النص من خلال هذه التفاعلات المتعددة في أن المكان والشخص يشكلان بعضهما بعضًا، وأن الهوية جغرافية بطبيعتها، وأن الدولة عندما تهدم حيًا ما، فإنها لا تزيل معالمه المعمارية فحسب، بل تمارس نوعًا من العنف على الذوات التي تشكلت من خلال ذلك المكان. إن التهجير القسري إلى شقق بشعير الخير المعقمة ليس مجرد إزعاج، بل هو زعزعة وجودية، وشكل من أشكال الطمس الذي يعمل على مستوى الهوية نفسها. إن عجز الراوية عن الحداد على حيّها كما ينبغي يعكس عجزها عن التماهي مع جنسها المحدد لها، وكلاهما ينبع من المشكلة الأساسية نفسها: الفرض العنيف لمفهوم رسمي لا يترك مجالًا للواقع الفوضوي والمعقد والمتناقض للتجربة المعاشة.
الهاجس الثاني: الدراجات النارية كقواعد للإرث الذكوري
إذا كان المنزل يُمثّل المجال الأنثوي الذي ترفضه الراوية، فإن ورشة والدها، بدراجاتها النارية الألمانية من طراز MZ، والعدة المرتبة، ورائحة الشحوم الصناعية، تُشكّل وجودًا بديلًا، فضاءً ذكوريًا حيث تُقدّم الدقة الميكانيكية ما لا تُقدّمه العلاقات الإنسانية: علاقة سبب ونتيجة موثوقة، ومشاكل لها حلول، وعالم منطقي. إن معرفة ناصرة الموسوعية بمهنة والدها لا تبدو كحنين إلى الماضي بقدر ما هي محاولة لتأكيد الإرث الأبوي من خلال الإتقان التقني. الهوس بالدراجات النارية هو في الحقيقة هوس بالوضوح، بعالم تكون فيه الهوية واضحة وعملية كمحرك مُصان جيدًا، وهو ما يجعل الأمر أكثر إيلامًا عندما لا يستطيع حتى هذا الفضاء حمايتها من عنف أخيها أو من جرافات التجديد الحضري.
الهاجس الثالث: التوثيق الحسي كمقاومة للمحو
ثمة سببٌ وراء تركيز النصّ المُلحّ على التفاصيل الشمية، فحاسة الشم هي الحاسة الأكثر ارتباطًا بالذاكرة، والأكثر مقاومةً للتجريد، وفهرسة الراوية المُفرطة لروائح غيط العنب بمثابة نوعٍ من الحداد الاستباقي، ومحاولةٍ لإنشاء أرشيفٍ للتجربة الحسية قد ينجو من الهدم المادي للحي. تصف الراوية “فراغًا” في داخلها كانت تملؤه قصص جدتها أسماء، وهي الآن تحاول ملء هذا الفراغ المتسع بتوثيقٍ دقيقٍ للغاية، كما لو أن الدقة الوصفية الكافية قد تُشكّل حصنًا منيعًا ضدّ المحو. تكمن المأساة، بالطبع، في استحالة ذلك؛ فشقق مشروع بشاير الخير مطهرة عمدًا، مُجرّدة من أي أثر تاريخي، ولا يمكن لأي قدر من الاهتمام الأدبي أن يمنع استبدال التعقيد المعاش بالوضوح البيروقراطي.
في لحظات الصدمة الحادة؛ كما في اعتداء الأخ، وبحث الجدة المحموم في الشوارع عن زوجها الذي هجرها، يتخذ النثر طابعًا متسارعًا، يكاد يكون غير منتظم. تتراكم التفاصيل الحسية دون ترابط: الروائح والأصوات والخصائص المميزة للألم الجسدي تتوالى بسرعة، جملة تلو الأخرى ترفض أن تستقر في نقطة أو سكون. التأثير خانق، مذعور، يُحاكي وعيًا عاجزًا عن استيعاب ما يحدث له، فيستمر في التسجيل والتصنيف، وكأنّ كثرة الملاحظة كفيلة بفهم ما يحدث أو على الأقل ضمان البقاء. هذا نثرٌ كاستجابة عصبية، رد فعل الكر والفر مُجسّد في بناء الجملة.
لكن عندما يُحوّل النص انتباهه إلى غيط العنب نفسه -إلى الجغرافيا المادية والاجتماعية للحي- يتغير المسار تمامًا. هنا، تتباطأ الجمل، وتتراكم، وتكتسب طابعًا معماريًا. يبني النثر الفضاء من خلال كتل وصفية كثيفة تُركّب الحقائق التاريخية على الملاحظات المادية على التفاصيل الحسية، مُكوّنةً ما يُشبه خريطة نصية، أرشيفًا لغويًا لمكان يُطمس في الواقع. تتحرك هذه المقاطع بصبرٍ مدروسٍ ومنهجي، كمن يحاول توثيق كل شقٍّ في كل جدار قبل وصول الجرافات. يصير النص أشبه بالبناء، يُرسي الأزقة والزوايا والروائح في ذاكرة لغوية دائمة، تحديدًا لأن وجودها المادي الدائم مُعرَّض للخطر.
على غرار محفوظ، تتعامل مي المغربي في هذه الرواية مع الحارة -الزقاق، الحي- كعالم مصغر، كوحدة جغرافية محددة تُصبح من خلالها القوى التاريخية والاجتماعية الأوسع نطاقًا مفهومة على المستوى الإنساني. يؤدي حي غيط العنب وظيفة مشابهة لوظيفة زقاق المدق في أعمال محفوظ: كمستودع للذاكرة الجماعية، ومساحة تتقاطع فيها حياة الأفراد لتشكيل هوية جماعية، وتجسيد مادي لحداثة مصرية خاصة تشكلت بفعل الهجرة والفقر واستمرار التقاليد الريفية في السياقات الحضرية. يعكس اهتمام محفوظ بكيفية عمل الأحياء كنظم بيئية من الترابط والتاريخ المشترك.
لكن ما يفرق هذا النص عن محفوظ، وما يقدمه من حجته الضمنية ضده، هو رفضه لإضفاء طابع أسطوري أو رثائي على الحي باعتباره مستودعًا ثابتًا للتقاليد. تبقى أزقة محفوظ صامدة، وربما تتغير، لكنها تبقى في جوهرها فضاءات ذات معنى. تشهد راوية الخروج من غيط العنب ما هو أشد قسوة: المحو الحرفي لحيها، واختزاله إلى مجرد أوراق بيروقراطية ومبانٍ سكنية عقيمة في مشروع بشاير. يؤكد النص أن ما يحدث ليس تطورًا وإنما تهجير عنيف، ليس تحديثًا ولكن تدمير ممنهج للنسيج الاجتماعي الذي كرس محفوظ حياته المهنية لتوثيقه. لا وجود هنا للحنين إلى الماضي، ولا نظرة رومانسية إلى عالم يتلاشى. لا يوجد سوى توثيق بارد لسلطة الدولة وهي تحول جغرافيا حية إلى تجريد إداري، ويعمل النثر نفسه، بفهرسته الهوسية للروائح والأصوات والعلاقات المكانية، كأرشيف مضاد، كدليل على ما يُمحى عمدًا.
الهاجس الرابع: احتراف الحزن
لعلّ أكثر ما يُثير قلق النص هو “العديد”، وهو طقس الحداد الذي تُؤدّيه طائفة نسائية بقيادة فريال، واللاتي “يبحثن” حرفيًا عن الجنازات لكسب عيشهن. تُركّز ناصرة على الإيقاعات المُحدّدة، والمراثي النمطية، والطريقة التي نظم بها الحزن في خدمة مُقابل أجر، وهو أمرٌ إما ساخرٌ للغاية أو صادقٌ بشكلٍ قاسٍ حول كيفية تعامل المجتمعات مع الفقد بحسب تسامح المُتأول. لكن ما يجعل هذا الهوس محورياً هو أنه يربط بين الصدمة الشخصية للراوية والتاريخ الجماعي للحي: فمن خلال توثيق طقوس الحداد هذه بدقة قهرية، تحاول خلق صلة بين ألمها الذي لا يوصف (الضرب، وتوقف الحياة، واضطراب الهوية الجنسية) والحزن المتراكم لنساء غيط العنب. تصير النائحات المحترفات أشبه بجوقة، فنحيبهن الطقسي بمثابة ضجيج في الخلفية ونقطة مقابلة موضوعية لعجز الراوية عن الحداد بشكل كافٍ على ذات غير متأكدة من أنها عاشتها بشكل صحيح.
نلاحظ هنا أن الأسلوب اللغوي يتحول إلى ما يشبه النبوءة. تكتسب الجمل نبضًا ثقيلًا وإيقاعيًا، وطابعًا تعويذيًا يوحي بدوراتٍ من التكرار تتجاوز التجربة الفردية – حزنٌ نُظِّمَ في التقاليد، وألمٌ أصبح طقسًا دينيًا. تتحرك هذه المقاطع كترنيمة، كشيءٍ محفوظٍ ومُؤدَّى عبر الأجيال، ويصير النثر نفسه طقسيًا، يُؤرِّخ الزمن من خلال التكرار بدلًا من التطور. هذا هو النثر كطقس، باعتباره المكافئ اللغوي لممارسة تستمر تحديداً لأنها أصبحت رسمية وروتينية، وتحولت إلى شيء يمكن نقله حتى عندما ينسى محتوى كل حزن فردي.
الخيط الجامع هنا -الهوس الميتافيزيقي الذي يحتوي على كل الهواجس الأخرى- هو سؤال ما الذي يبقى بعد التهجير، سواء المادي (الحي المهدم) أو الوجودي (الذات غير المتماسكة). والإجابة التي يبدو أن النص يقدمها على مضض هي أن التوثيق ذاته، وفعل كتابة كل شيء بدقة عصابية تجعل المحو مرئيًا، يصير شيئًا يمكن مشاهدته، وبالتالي، ربما، رثاؤه.
القراءة باليدين
الأمر اللافت للنظر هو كيف أن هذه الأنماط اللغوية الثلاثة -المحموم، والمعماري، والطقوسي- لا تبدو كخيارات أسلوبية منفصلة، بل كأنها مستويات ينتقل بينها النثر بسلاسة، وكأن اللغة نفسها تستجيب للمتطلبات العاطفية والموضوعية لكل لحظة. للنص علاقة شبه مستقلة بأسلوبه.
وإذا ما أزلنا الحبكة تمامًا، وأزلنا الإطار السردي للعنف والنزوح، فإن ما يتبقى هو نسيج شديد الخصوصية في مادته. نص مهووس بإفرازات الجسد، بالعرق والشحوم ورائحة السمك والمزروعات. يتميز النثر بثقله ووضوحه، وبنوع من الملمس الخشن الذي يجعلك تشعر وكأنك تقرأ بيديك لا بعينيك. إنه نسيج الفقر مُجسّدًا على مستوى اللغة، وبقايا العمل اليدوي المتراكم والعيش في ظروف ضيقة، والواقع الحسي الخاص بحي بُني على هامش التخطيط العمراني.
لكن تحت هذا النسيج الجسدي الكثيف -أو ربما العابر من خلاله- يكمن نوع من التنافر العميق. يبدو النص متوترًا، غير مريح. يبدو النثر نفسه وكأنه يُقاوم قيوده، وكأنه يُريد التحرر من القيود الشكلية للجملة والفقرة، تمامًا كما تُريد الراوية التحرر من القيود البيولوجية لجنسها المُحدد لها. هناك احتكاك دائم بين ما تفعله اللغة وما تُريد فعله، وهذا الاحتكاك يُولّد حرارة، يُولّد نوعًا من القلق النصي الذي يتخلل حتى أكثر المقاطع الوصفية حيادية ظاهريًا.
ثمّة جوٌّ عامٌّ من التدهور، جوٌّ من الانهيار، جوٌّ من الأسطح المتداعية التي تُستبدل بشيءٍ عقيمٍ لا يُعرف. سواءٌ أكان النصّ يصف طلاءَ منازل الحيّ القديمة المتقشّر، أم الجدرانَ الباردةَ البيروقراطيةَ لشقق بشاير الخير، فهناك اهتمامٌ دائمٌ بالتآكل، بالطريقة التي يُنهك بها الزمن والإهمال واللامبالاة البلدية العالمَ الماديّ. يبدو النثرُ نفسه وكأنه شيءٌ يتآكل، كلغةٍ تحت ضغط، تفسح المجال ببطءٍ للصمت أو للبرودةِ المُملّةِ للوثائق الرسمية.
النتيجة التراكمية هي نثرٌ يبدو أقلّ شبهاً بوسيلةٍ شفافةٍ لنقل المعلومات، وأكثر شبهاً بمادةٍ في حدّ ذاتها، شيءٌ كثيفٌ ومقاومٌ، يحمل في طيّاته ثقل العالم الذي يحاول الحفاظ عليه. هذه لغة تفوح منها رائحة شحم الدراجات النارية ومياه القنوات، وتتحرك بإيقاع متقطع من الصدمة ونبض ثقيل من الحزن الطقسي، وتحمل في تركيبها النحوي ثقل الأجساد التي لا تتلاءم والأحياء التي يتم هدمها لإفساح المجال لمستقبل لم يطلبه أحد.
يد مي الخفية والظاهرة
يخلق نصّ الخروج من غيط العنب تجربة انغماس عميق، ويعرف أيضًا متى ولماذا يخرج منه، ويبقى سؤال فيما إذا كانت هذه الانقطاعات مقصودة دائمًا أم أنها أحيانًا نتيجة ضرورة بنيوية، مفتوحًا يستحق الدراسة.
يُرسّخ النص حلمه التخيلي من خلال التشبع الحسي. لا يتعرف القارئ فقط على غيط العنب، وإنما يشمّه ويتذوّقه ويشعر به على جلده. ليست هذه تفاصيل تزيينية، بل آليات تثبيت، وإحداثيات حسية تُحدّد موقع القارئ في واقع مادي مُحدّد. يُصرّ النثر على معرفة الجسد، وعلى كيف تسبق الرائحة والملمس الفهم العقلي، بل وتتجاوزه في كثير من الأحيان. عندما تقرأ عن النائحات المحترفات اللواتي تلتصق قشور السمك بملابسهن، وعن الإيقاع الخاص لنحيبهنّ الطقسي، فأنت لا تراقب من مسافة مريحة، بل تُلامس حقيقة الحزن المادية المباشرة كعمل، والحداد كتجربة حسية.
يُعمّق إدراج الفولكلور والطقوس هذا الانغماس من خلال الإيحاء بعمق زمني، بجعل الحي متجذرًا تاريخيًا. قصة حسن وعبلة، وعادات العديد الخاصة، وكيف حملت هجرة الجدة من أسيوط معها رؤية كونية ريفية كاملة نُقلت بشكل غير كامل إلى مدينة الإسكندرية – كل هذا يخلق ما يمكن أن نسميه ثقلًا ثقافيًا، شعورًا بأن هذا المكان لا يقتصر وجوده على زمن المضارع في السرد، بل يمتد إلى الوراء عبر الأجيال، وإلى الأمام عبر الصدمات الموروثة. يدخل القارئ إلى عالم يبدو متخيلاً بشكل شامل، حيث تحمل حتى الشخصيات الثانوية ثقل أنظمة اجتماعية كاملة، وكل طقس يوحي بتاريخ يتجاوز قدرة النص على توثيقه بالكامل.
لكن سرعان ما يتبدد الحلم، ويتبدد بطريقة تبدو مفاجئة وعنيفة، وفي الوقت ذاته ضرورية من الناحية الموضوعية. تحدث أكثر الانقطاعات إزعاجًا عندما يتحول أسلوب السرد فجأة من الشعري والتقليدي إلى البيروقراطي والإداري. ففي لحظة، تجد نفسك غارقًا في الذاكرة الحسية، في نسيج التجربة المعاشة، وفي اللحظة التالية، تُواجَه بقوائم من الوثائق المطلوبة – بطاقات الهوية الوطنية، وشهادات الميلاد، وشهادات الوفاة، وكامل الجهاز الورقي للاعتراف الحكومي والسيطرة. لا تُسهّل هذه التحولات انتقالك بسلاسة من مستوى إلى آخر؛ بل تُلقي بك في واقع مختلف تمامًا، واقع تُختزل فيه خصوصية غيط العنب الغنية إلى مجرد استمارات وملفات، وإلى رتابة مشاريع الإسكان الحكومية. والنتيجة مُربكة، وهذا هو المقصود تحديدًا. يحاول النص أن يجعلك تشعر بما يعنيه النزوح، بعنف الاقتلاع من وجود إلى آخر.
يتلاشى الحلم أيضًا عندما تنخرط الراوية في تعليقٍ صريحٍ على عملية التذكر نفسها، وعلى “الفراغ” الذي بداخلها والذي يجب ملؤه بالقصص، وعلى صعوبة إعادة بناء ماضٍ متماسك من ذاكرةٍ مجزأة. تُذكّرك هذه اللحظات بأن ما تقرأه ليس وصولًا شفافًا إلى الأحداث، بل هو محاولةٌ مُصطنعةٌ للحفظ، أرشيفٌ يُجمّع في الوقت الحقيقي في مواجهة ضغط النسيان والمحو. إن وعي الراوية بمشروعها – إدراكها أنها تخوض معركةً خاسرةً ضد الزمن والهدم – يكسر حالة الانغماس في الحاضر المستمر، ويُجبرك على مواجهة وضع النص كأثرٍ تاريخي، كعملية توثيقٍ مُتعمّدةٍ بدلًا من عالمٍ روائيٍّ متكامل.
ثمّة لحظاتٌ تضح فيها يد المؤلفة بلا لبس، حيث تتجلّى البنية الهيكلية للعمل من خلال أنماطٍ مُتعمّدةٍ للغاية بحيث لا يُمكن اعتبارها عشوائية. يتجلى التوازي الموضوعي بوضوح: فاعتداء الأخ على الراوية يتردد صداه مع هجر الجد لها، والذي بدوره يتردد صداه مع انطواء الأب العاطفي، مما يخلق سلسلة من العنف الذكوري تبدو أقرب إلى فرضية تُوضَّح من خلال أمثلة مُرتبة بعناية منها إلى تطور طبيعي للشخصية. هذا لا يُقلل بالضرورة من التأثير العاطفي، ولكنه يُنبئك بأن أحدهم يُرتب هذه العناصر وفقًا لمنطق مُسبق، وأنك تُشاهد نمطًا بدلًا من اكتشافه من خلال تراكم أحداث تبدو غير مترابطة.
وتعمل تدخلات الراوية الفلسفية المتكررة بطريقة مماثلة. فعندما تُقاطع مشهدًا لتسأل نفسها أو القارئ أسئلة مباشرة على سبيل: “هل هذا ما يُسمونه نشوة؟” أو “ماذا يُفترض بي أن أشعر؟”، فإنها تُخرجك من التجربة لتتأملها من الخارج، مُجبرةً إياك على نوع من الوعي المزدوج حيث تكون في اللحظة الراهنة وتُفكر في وجودك فيها في آن واحد. تكشف هذه الاستفسارات عن التنافر الداخلي، لكنها تسلط الضوء أيضاً على الطبيعة المصطنعة للسرد، وحقيقة أن شخصاً ما يقوم بتشكيل هذه التجربة لأغراض بلاغية وعاطفية.
لعلّ الأكثر وضوحًا في هذا الخصوص هو دمج وثائق حقيقية كشهادات الميلاد، والإيصالات، وصور أرشيفية، ما يُذكّرنا باستمرار بأن هذا النص هجين، جزء منه مذكرات، وجزء منه وثائقي، وجزء منه خيالي، ولا يُصنّف ضمن أيٍّ منها بشكلٍ حصري. فبينما تُضفي هذه الإضافات مصداقيةً وتُرسّخ السرد في واقعٍ قابلٍ للتحقق، فإنها تُقاطع الحلم الخيالي أيضًا، مُجبرةً إيّاك على تغيير أسلوب قراءتك. تنتقل من معالجة النثر كبناءٍ خيالي إلى فحص الأدلة المرئية كحقائق تاريخية، وهذا الانتقال يتطلّب الخروج من حالة الحلم التي يصفها غاردنر. يتحوّل النص إلى أرشيف مُنسّق بدلًا من قصةٍ متماسكة، وتُصبح شاهدًا على التوثيق بدلًا من مُشاركٍ في التجربة.
لا يكمن السؤال فيما إذا كان النص يحافظ على انغماس متسق، ولكن فيما إذا كان نمط الانغماس والتمزق يخدم أغراضًا أوسع. ويبدو أن الإجابة هي نعم، وإن لم يكن ذلك دون ثمن. لا يندمج القارئ تمامًا في السرد، ولا يحقق ذلك النوع من الاستغراق المريح الذي يميز الروايات الواقعية التقليدية. بدلاً من ذلك، تبقى في حالة عدم توازن دائم، تتأرجح بين الانغماس الحسي والمسافة الوثائقية، بين الذاكرة الشعرية والحقائق البيروقراطية، بين ثراء التجربة المعيشة وجفاف اللغة الإدارية. هذا يخلق تجربة قراءة متطلبة، ومرهقة أحياناً.
نقاط الضعف حقيقية وربما لا يمكن تجنبها بالنظر إلى ما يحاول النص القيام به. البنية غير الخطية التي تقفز بين عصر الجدة وطفولة الراوي وحاضرها البيروقراطي تتطلب جهدا معرفيا كبيرا ليجمع في تسلسل زمني. الوزن العاطفي الكئيب لا يرحم لدرجة أنه عقاب. وإذا لم تكن متمكنًا من الثقافة المصرية والإسكندرانية، ستفوت صدى وإشارات يفترض النص أنك ستلتقطها. إنه بئر مظلم يظهر لك الحقيقة لكنه لا يجعل النزول سهلاً أو الصعود أسهل.
مع ذلك، ما تُنجزه الخروج من غيط العنب هو أمر نادر وضروري، لكونها تنشئ مفردات رسمية لتجارب لا تستطيع الواقعية التقليدية استيعابها بشكل كافٍ. من خلال تفتيت الحلم المتخيل في اللحظات التي يصير فيها الانغماس فيه مريحًا للغاية، ومن خلال تكديس الوثائق البيروقراطية فوق الذاكرة الشعرية، ومن خلال الإصرار على أن اضطراب الهوية والتهجير القسري وإضفاء الطابع المهني على الحزن كلها جوانب متداخلة لنفس عملية المحو المنهجي، يُجادل النص بأن بعض القصص لا يُمكن سردها إلا من خلال التصدع. هذا ليس كتابًا سهلًا. لن يسمح لك بالاستمتاع السلبي لمشاهدة ألم شخص آخر من مسافة آمنة. بل إنه يُطالبك بأن تشعر بنسيج ذلك الألم -خشونة ورطوبة ومياه راكدة- وأن تفهم مدى ارتباط هدم حي بهدم ذات لم تُمنح أصلًا أرضًا مستقرة. وعندما تُغلق الكتاب أخيراً، لا يبقى في ذهنك الحبكة أو الشخصيات، وإنما الجو العام: رائحة مكان لم يعد له وجود إلا في اللغة، وتساؤل عما إذا كان ذلك كافياً، وهل يمكن لتدوين كل شيء بدقة متناهية أن يشكل حصناً منيعاً ضد الطمس الذي يجري على الدوام.
كتبها:
