عندما يكتب الصحفي كشيخ

هناك نظرية مفادها أن روح المجتمع يمكن الحكم عليها من خلال اليوتوبيا التي ينتجها. في “لطائف السمر” نجد رؤية إصلاحية ترتدي ثياب الخيال الكوني، حيث يقارن المؤلف بين إخفاقاتنا الأرضية ومجتمع الزهرة المثالي الذي يعمل كمرآة تعكس تناقضاتنا.

يوصف كتاب لطائف السمر في سكان الزهرة والقمر من قبل المشتغلين بالأدب العربي بأنه رواية عربية رائدة، لكنه لا يمتلك في الحقيقة أي من مقومات الرواية. الكتاب ببساطة دليل أخلاقي مبني على مدخل خيالي لزيادة جاذبية قراءته. تقول القصة أن ميخائيل الصقال يرى والده أنطوان في منام بعد وفاته، ليسرد له أنطوان الرؤية الغريبة للحياة بأنها يوتوبيا على الزهرة، يطرد منها الآثمون ليعيشوا على الأرض في صورة من صور التناسخ، وعند الإصرار على الآثام يبعدون إلى زحل حتى يكفروا عن ذنوبهم فيرقون إلى الزهرة أو يبعدون إلى الأرض في دورة لا نهائية حتى ينصلح أمرهم. كل ما عدا هذا الملخص هو خطب تربوية.

الفكرة ليست خالية من الإمكانات. فالزهرة بمثابة القماش الذي يرسم عليه المؤلف مجتمعًا بديلًا حيث تقف النساء على قدم المساواة مع الرجال، وحيث يتم اختيار القضاة على أساس إخلاصهم للحقيقة وليس المصلحة السياسية، وحيث يفضل الريف على المدن المتقيحة، وحيث يُنظر إلى تطوير الأسلحة والحرب على أنها ممارسات همجية وليس إنجازات حضارية.

ومع ذلك فإن الكتاب يعاني على وجه التحديد من العيب الذي يعوق العديد من الروايات الطوباوية: فهو يفتقر إلى الخيال. يبدو أن المؤلف يتمتع بتفاني المحاسب في سرد ​​الفضائل بدلاً من موهبة الروائي في إحيائها. إن مجتمع الزهرة الذي يقدمه ليس عالمًا حيًا يتنفس بل هو كتالوج لتفضيلات المؤلف مرتبة في تضاد مع العيوب المعاصرة.

الجلي في الكتاب أن المؤلف أحد أمثلة النظام الأبوي، فعندما يقدم ميخائيل “سيرته الذاتية” في البداية، يجد من الضروري أن يسندها بسيرة والده العالم باللغات، ومترجم الإمبراطورية الإنكليزية، والشاعر والروائي. كما في حالة نمطية لأب عظيم مسيطر، يتحول الابن لظل والده، وفي الظل يبقى ميخائيل في هذا العمل، فالذي يتحدث دائماً هو الابن، أم الابن فهو موجود فقط ليسأل أباه بخجل عن توضيحات. ورغم أن الابن لا يستطيع ان يذكر والده إلا بكل إجلال، إلا أنه يٌفلت هذه الجملة الحزينة عند رؤية والده في المنام بعد وفاته: “وقبلني ثلاثًا مع أنني لم أذكر أنه قبلني قبل ذلك مرة واحدة”. نرى هنا صورة الأب، الذي ليس قاسياً مع أولاده، لكنه جاف وبارد في تعامله معهم، وكأنه علاقته بأولاده علاقة المدرس مع طلابه. وهذه الرسمية والبرودة هي التي تطغى على الكتاب– لا عاطفة ولا شغف.

حتى على الصعيد الفكري، ليس لدى الكتاب الكثير ليقدمه، فالنصائح التربوية المذكورة أشبه بنصائح الأجداد المتوارثة عن تقليد. وتخلو من التفكير النقدي، رغم أن المؤلف لا يحاول الاعتماد على مرجعية دينية محددة لتبرير قناعاته الأخلاقية، ويحاول التحرك في مساحات لإرضاء القارئ المسلم ذو الأغلبية في زمان وجغرافيا المؤلف، وإيمانه المسيحي. ويصرح ميخائيل بذلك حقيقة، فيقول: اعلم أيها القارئ العزيز أنني لما فرغت من كتابي “لطائف السمر أو الغاية” عرضته على أستاذ من أعاظم أساتذة الإسلام وسألته أن يدقق فيه فدقق ونقب وقال: إنني لم أجد فيه ما يخالف الدين. ثم إنني عرضته على أستاذين من أكابر أساتذة النصرانية فقال أحدهم بسلامته من فساد العقيدة”. وهكذا أمر غير موجود في الواقع، ولا يعدو كونه جبنًا فكرياً عن اتخاذ موقف واضح، ومحاولة إرضاء الجميع بدلاً من ذلك. وفي حين يدين المؤلف التطرف الديني الأرضي، فإن بديله الفينوسي حيث “تقوم كل الأديان على الحب” عقائدي بنفس القدر. وهذا هو النوع من الكلام المبتذل الغامض الذي لا معنى له والذي لا يخدم إلا لإخفاء عدم رغبة المؤلف في مواجهة الأسئلة الصعبة وجهاً لوجه.

مع ذلك فإن الصورة التي يرسمها الأب ليوتوبيا الزهرة تشبه تصورات داعش عن الدولة الأخلاقية. في محاولته لتطهير الزهرة من كل الآثام الأرضية، يمحي المؤلف كل الأمور التي تجعل الحياة قابلة للعيش من فنون وتنافسية، ويطهر الكوكب ببساطة من مجمل الجرائم في سوء فهم واضح للطبيعة البشرية. إن مجتمع لا تناقض فيه، ولا فوضى الوجود الإنساني الحقيقي، هو باختصار مجتمع لا يمكن أن يوجد أبداً.

قد تكون فكرة أن البشر على الأرض هم نسخ عن ذوات عليا أسمى، وأنهم يذهبون لزحل للتكفير والحصول على فرصة ثانية وثالثة… وهذا الدمج بين التناسخ، والحياة الآخرة، قد يكون فريداً من نوعه -وإن لم يكن منطقيًا-، أما في عدا ذلك فكل شيء في الكتاب هو كليشيه من شعبيات التراث الأدبي العربي– عندما يعود والد ميخائيل لرؤيته في المنام يرجع في جسد ضخم عشرة أضعاف. وأول ما يصفه والده من سكان الزهرة هو عظمُ أجسادهم، في تكرار مهووس بمسألة عظم أحجام القرون السابقة أو أي تخيلات عن أمم أخرى. وكل من في الزهرة يلفه نور يعمي الأبصار، والأعمار بآلاف السنين، والوصف المسجوع مكرر حتى الإرهاق في جمل مثل: “الزهرة رياض رائقة. وغياض شائقة. ذات أشجار باسقة. وأزهار بالأطياب عابقة”. جملة واحدة نادة في الكتاب تقول: “فتمردت عليه جل جلاله أسرة من الأسر العظيمة فأسكنها الزهرة عقاباً لها”. لم يتوقف عندها الكاتب ولم يشرح ما هو التمرد الذي قاموا به، ولا كيف تجرأوا على خالقهم وهم يعرفونه حقيقة.

يصبح الكتاب مفيداً ومؤثراً عندما يصف أموراً معيشية نادرًا ما نجدها في كتب التاريخ العربي، وخاصة في أدب عصر الضعف. كما عندما يقول: “إن مدنكم قليلة المياه لا تجري فيها الأنهار فقلت النظافة عندكم، فإذا ابتلى أحدكم بعلة سرَت إلى غيره وأنتم لا تحتاطون بل تقولون هذا قضاء الله تعالى، إن الله لا يريد بعباده شراً لو تعلمون”.

اقتباس من كتاب لطائف السمر يقول: أما طرقكم القديمة المبلطة التي تعثرون فيها لضيقها فهي خير لكم من طرقكم العريضة الحديثة غير المبلطة التي نحسبها مفاوز يثور غبارها عليكم وأنتم تتنزهون. فتعودون إلى أماكنكم وقد امتلأت منه أجوافكم فتعرضون عن الطعام ولا تقبلون".

حتى ملاحظاته الاجتماعية عن ذلك العصر ملهمة. يَصف التشبه الأعمى بالغرب بدل ملائمة التطور لبيئتنا: “لقد كانت دياركم تصلح للصيف والشتاء، فلما تمدنتم التمدن الحديث، وبنيتم لكم بيوتاً جديدة مثل بيوت سكان أوروبا على زعمكم من غير أن تميزوا قارتكم من قارتهم وتدركوا خصائص الماء والهواء فيهما أمست مساكنكم لا تصلح للسكن وأنت غافلون. فبدت العفونة بأمراضها القتالة تنتشر بينكم وأنتم لا تشعرون”.

لو التزم الكتاب بهذه الملاحظات الصحفية المؤثرة -وميخائيل أحد رواد الصحافة العربية[1]– لأصبح الكتاب مقروءاً على نطاق واسع، لكنه يود بناء عالم أخلاقي كامل عبر بضعة خواطر، ما يوقعه في الكثير من العثرات والتناقضات. وتمتد هذه التناقضات إلى تخيل العالم الذي بناه والذي يصبح غير منطقي كلما حاول “ترقيعه”. ونقرأ أن أهل الزهرة يقدرون العدالة والمساواة، ولكن الرجل يعاقب لأنه ينظر إلى غير زوجته بينما تفلت المرأة من حكم مماثل. وينصح أكثر من مرة بعدم استخدام الزخارف في اللغة، رغم أن هذا ما يفعله المؤلف تحديدً في مجمل الكتاب. وتثقل الإشارات الشعرية التي لا نهاية لها السرد كغواض يرتدي أحذية فولاذية. ولا تنتج الكثافة الفكرية العمق بل الملل. يحصل المرء على انطباع بأن الكاتب مهتم جدًا بالظهور كمتعلم لدرجة أنه نسي الفضيلة البسيطة المتمثلة في كونه قابلاً للقراءة.

مع ذلك يقدم لنا الكتاب لنا نظرة ثاقبة غير مقصودة: الميل البشري إلى خلق اليوتوبيا ليس كاستكشافات حقيقية لإمكانيات بديلة، بل كأدوات لانتقاد الحاضر. إن أهل الزهرة ليسوا كائنات معقدة لها ثقافتها وتناقضاتها الخاصة، بل هم ببساطة كائنات أرضية بدون ما يكرهه المؤلف في الأرض…أو في حلب مع بداية القران العشرين.

إن رواية “لطائف السمر” تريد أن تكون ثورية ولكنها تكتفي بالإصلاح “اللطيف” والناعم. فهي تدين المادية بينما تدعو إلى رأسمالية أكثر لطفاً ولطفاً حيث يتم الحد من الاستغلال ولكن التسلسل الهرمي يبقى قائماً. وهي تنتقد الحياة الحضرية دون النظر في سبب نمو المدن في المقام الأول. وهي تقدر البساطة ولكنها تستسلم للتعقيد غير الضروري في التعبير.

إن ما كان من الممكن أن يكون إعادة تصور للمجتمع تحدياً يتحول بدلاً من ذلك إلى كتالوج كئيب من الفضائل، وكأن المؤلف يعتقد أن الأدب الجيد، مثل المجتمع الجيد، يمكن إنتاجه من خلال النية الصالحة. إن الكتاب يقف كدليل على أن الخيال السياسي يتطلب أكثر من مجرد معارضة ما هو موجود؛ فهو يتطلب القدرة على تصور بدائل حقيقية بكل تعقيداتها وتناقضاتها. إن فشل “لطائف السمر” لا يكمن في اندفاعه الإصلاحي، وهو أمر يستحق الثناء، بل في عجزه عن تحويل هذا الاندفاع إلى رؤية مقنعة بما يكفي لإلهام التغيير الحقيقي بدلاً من مجرد سرد المظالم.

كتبها:

رافاييل لايساندر


[1]  شارك ميخائيل الصقال في تأسيس وتحرير صحيفة “الشهباء” مع الكواكبي في حلب، وفي إنشاء وإدارة مجلة “الأجيال” في مصر مع يوسف شلحت وعائلة سميان عام 1897