بين الماديّة والروحانيّة هناك استسلام

في هذه المقالة كتاب: استسلام (بالفرنسية: Soumission)‏، لميشيل ويلبيك Michel Houellebecq
ترجمة: شكير نصر الدين
منشورات الجمل

تقييمنا: موضوع مثير للفضول

التصنيف: 3 من أصل 5.

“استسلام” التّرجمة المتكاملة لكافّة المخاوف العنصريّة جرّاء الهجرة، والّتجسيد الأشدّ لكلّ أعراض الإسلاموفوبيا، إنّها تصف ما يدور في خيال كلّ فرنسي لكنّه وحده “ويليبيك” من استطاع أن يعبّر عن مخاوفه بكلّ تلك التلقائيّة.

حيث يأخذ بأيدينا إلى سلسلةٍ لا نهائيّة من الخيالات والافتراضات المحاكية للواقع ، بعفويةٍ تجعلك تعيش بين شخصيات الرواية ـ  وهو ما يُشهد به ل ويليبيك ـ  في البداية يفسّر لنا المشهد السياسي في فرنسا ،  فمنذ نهاية الحرب العالميّة الثانيّة وفرنسا تحت وطأة الحزب اليميني المتطرف واليساري المتطرف اللذين مع الزمن أضحيا عبءً على الشعب الفرنسي ، ولذلك فقد انفردت الجبهة الوطنيّة بالسّلطة ولسنواتٍ مديدة إلّا أنّها لم يعد مرّحباً بها من الأحزاب المتطرفة كونها جعلتهم على الهامش ، فالصّراع هنا على الحكم يقوم على الرّغبة في إيقاف تقدّم الجبهة الوطنيّة وإن كانت الكفّة سترجح لحزبٍ إسلامي .

نعيش في الرواية أعواماً قد وصلت بها الهجرة إلى قدرة المسلمين على تشكيل حزبٍ إسلاميٍ خاصٍ بهم بدعمٍ من الأحزاب الديمقراطيّة التي تحاول احتواءهم ، وبمعارضةٍ من الأحزاب المتطرفة التي ترى بهم شراّ قادم ، وهكذا دون سابق إنذار نجد أنفسنا في انتظار نتائج الانتخابات الرئاسيّة لعام 2022 بين زعيم حزب الأخوة الإسلامية وزعيمة حزب الجبهة الوطنيّة وكونها باتت محاربة من كلّ الجهات رجحت الكفّة ولأوّل مرة لصالح زعيمٍ إسلامي .

بيد أنّ الصّراع الذي يحاول “ويليبيك” أن لا يفصح عنه مباشرةّ هو الفكرة التي يخافها، عودة الدّين إلى قلب الوجود الإنساني ، إنّها مخاوف التفكير المادّي وتشعب الرأسماليّة ، المخاوف القائمة على إقامة الحياة بناءً على الدّين لا بناءً على المادّة.

خوفٌ هائلٌ من الأمراض الاجتماعيّة والأسريّة يعاني منه المجتمع الفرنسي على وجه الخصوص والأوروبيّ عامّةً ، حيث لم تعد القيم التي تحكم المجتمعات العلمانيّة قابلةّ للمرونة أكثر ، قد وصلت إلى ذروة استطاعتها ، الحريّة ، الفرديّة ، الماديّة ، الرأسماليّة ، كلّ تلك القيم التي نادت بها العلمانيّة بكونها سبيل التحرر من التّسلط الديني هي نفسها التي ستسبب خرابها ، وبمشهدٍ تخيلي يوصّف لنا الكاتب هذه الأفكار ، ينظر البطل بنوعٍ من الاستهزاء نحو أنوار البيوت التي لم تعد مسكونة سوى من عُزّاب ، حياتهم ملئ بقيمٍ أنانيّة ، لا دفء لا احساس بالانتماء لا روحانيّة ، كلّ شيءٍ مباح ، كلّ شيءٍ مستهلك ، فيتساءل باستهزاء ، هل الانسان دنيءٌ لدرجة أنّه لا يستطيع العيش دون عبوديّة ؟

وكأنّه يلقي النّظر على التمرد الذي جاء بنظام الحكم العلماني، التّمرد على تسلط الكنيسة على الحكم، باعتبار أنّ الدّين قد فشل في حكمه للمجتمع ، ولكنّه يستغرب من النّتائج التي آلت إليها الحياة بعد تولي حكمٍ اسلاميٍ للسّلطة ، ـ لستُ هنا بصدد تقييم الأمر من منظورٍ إسلامي ، ولا تعدّ الرّؤية الايجابيّة التّي وصفها الكاتب انتصاراً للقيم الاسلاميّة فآراؤه معروفة ، هو أصلاً لم يروّج لإسلامنا الذي نعرف إنّما لإسلامٍ يتناسب وفهمه يدعوه بالوسطي حيث نجد أنّ الزعيم الإسلامي يحاول إمساك العصا من منتصفها فلا يتطرق مثلاً للقضية الفلسطينية ولا يعادي اليهود أبداً ـ ، إنّما هو شيءّ من الاستهزاء بالحال الذي وصل إليه المجتمع الفرنسيّ ويكأنّه يقول أنّه حتّى الاسلام غدا أفضل منكم .

ولا يأبى ويليبك التّنازل عن دور البطل كما اعتدنا عليه، بل يترك خياله يشطح شطحاتٍ لا نهائيّة، إلا أنّه لم يوفّق في الابتعاد عن السّرد المطوّل كمن يريد بثّ آرائه وتضمين معتقداته حتّى وصل به الحال إلى التّنظير في مواضع عديدة، كما أنّه يهوى هذا النوع من الموضوعات المثيرة للجدل، فلم يتنازل عن تضمين هواجسه وأفكاره الحميميّة التي تغلب على شخصياته.

وبصورٍ متعدّدة  نمشي في شوارع فرنسا الجديدة مستشعرين الفوارق التي سادت المجتمع بعد تغيّر السّلطة من انتشارٍ كبيرٍ للحجاب ، استحواذ الرجال على مراكز صناعة القرار، منع النّساء من العمل ممّا وفّر آلاف الوظائف وبالتّالي ساعد في تخفّيف البطالة ، بالإضافة إلى غلبة الاحتشام على الجوّ العام والذي جعل من تهذيب الرغبات شيئاً أسهل ، ويبقى الشيء المركزي الذي يسهب ويليبك في الحديث عنه هو تعميق قيمة الأسرة عوضاً عن القيم الماديّة الأنانيّة ، والتي جعلت منهم أقل إنتاجاً إنّما أكثر رضاً وسعادة ، بالإضافة إلى الحال الأكثر أمنا التّي غدت تتمتع به البلاد نتيجة قلة النزع الانحرافيّة وهو ما عزاه الكاتب إلى الأصل الديني القائم على ترويض النّفس والتّحكم بها ، وهكذا نصل إلى النّهاية المتوقعة باعتناق بطل الرّواية الإسلام لأسبابّ انتهازيةّ واضحة من ميزات ماديّة و أخرى اجتماعيّة ، لا تؤكد لنا سوى القيم التي يعتنقها الغربي من بناء حياته على المادّة حيث يأبى سوى أن يكون عبداً لها تسيّره كيف شاءت .

كتبتها: ولاء متاعة

فايسبوك/لينكدإن