قلق السعي إلى المكانة

تقييمنا: ينصح به

التصنيف: 4 من أصل 5.

أعرف شخصاً يأكل الخبز كل يوم، إنساناً حقيقياً يطبخ مرة واحدة في الأسبوع، يستعمل قدميه للجري، يحكي باستخدام هاتف متواضع لايستعمله داخل المنزل, يلبس ثيابا لايغيرها إلا ماندر, ثياباً لاتحتوي أية علامات تجارية, لايزور المقاهي إلا قليلا، لا يأكل في المطاعم إلا في المناسبات، ليس لديه حسابات لمواقع التواصل الاجتماعي ومع ذلك، هو سعيد.

وبذلك، هو سعيد جداً!

هل لديك أدنى فكرة عن مدى سعادتك الداخلية؟ هل تعلم فعلياً ماهي السعادة؟

في عالم اليوم، عالم الماركات ومتاجر الأحذية والأزياء، صالونات التجميل ومعارض السيارات، باختصار عالم الرأسمالية.

هذا كتاب متكامل يتطرق فيه الكاتب الى فكرة فلسفية تحاكي أزمنة وأجيال متعددة من خلال سؤال خفي يطرحه الكاتب من أول صفحة

من أنت؟

من أنت حقاً في عين نفسك؟ ومن أنت في عيون الاخرين؟ وهل لهذا يد في تشكيل حياتك وأفكارك؟ أناسك وأصدقاؤك؟ نظرتك لنفسك وللمستقبل؟

نعم، هذا كله تجده في كتاب دوبوتون، حلِّلا منذ الصفحة الأولى للكتاب معنى المكانة في سياقات مختلفة، مشيراً إلى الأصل الذي أتت منه رغبتنا في المكانة في المجتمع وكيف تختلف هذه الرغبة والمكانة بين عصرٍ وآخر. وكيف قد تكون مصدراً لتعاستنا وفشلنا في الحياة.

هو كتاب متكامل لانه يشرح الأسباب وراء سعينا الى المكانة بشكل مبسط وموسع ينم عن الثقافة الواسعة التي يتمتمع بها الكاتب وبلغة بسيطة يستطيع أي قارئ فهمها وتلقفها بسهولة ووضوح، وينتقل أيضاً الى الحلول التي تخفف عبء السعي إلى المكانة متطرقاً إلى ذلك بنظرة ثقافية ودينية وروحانية وسياسية وفنية.

 يعزو الكاتب  الرغبة في السعي للمكانة إلى عدة أسباب: منها افتقاد الحب بحيث يشرح معنى الحب ويشير الى أنواعه التي نقسم الى الحب الجنسي وسعينا وراء حب الناس لنا.وما هي أهمية الحب وأهمية تقدير الذات

ومن الأسباب أيضاً الغطرسة ومالتأثير مرافقة المتغطرسين من آلام نفسية وعوائق تحد من نظرتنا لأنفسنا وتقديرنا لذواتنا,وكذلك التطلع والكفاءة والاعتماد سواء على الحظ أوعلى الموهبة المتقلبة أو على صاحب العمل.

ثم ينتقل الكاتب الى الجزء الثاني للكتاب مقدماً حلولا موضوعية للأسباب العديدة التي قام بطرحها مقدَّماً.

يعتبر الكاتب أحد أهم الحلول هو تبني وجهة نظر فلسفية واعية بالرضا والاستماع إلى ضمائرنا الداخلية وأنه ليس من المهم مانبدو عليه في أعين الجماعة بل مانعرف أننا عليه في داخلنا وهذا مايجب أن نصغي إليه اولا وآخراً.

يدعو الكاتب أيضا للتداوي بالفن فهو”في الحقيقة ترياقاً فعالاً لأعمق المخاوف والمصاعب التي يجابهها الانسان في هذه الدنيا” وإن بدا للكثيرين عكس ذلك ولكن برأي الكاتب أنَّ الأعمال الفنية على مختلف اشكالها تستطيع ان تفسر لنا وضعنا الانساني باعتبار أن الحياة ظاهرة تحتاج للنقد وكون البشر معرضون للوقوع في الخطأ دائما كخطر عبادة آلهة باطلة أو العجز عن فهم المرء لنفسه وبذلك تكون أعمال الفن أكبر دليل على فهم العالم بصورة ادق وأرشد.

ومن ثم يتناول دوبوتون الفكرة من منظور سياسي ومقتضيات المكانة في ظل حكم ما وكيف أن الطبقات الحاكمة في المجتمع تضع على عاتقها المسؤولية لنشر وترويج معتقداتها الايديولوجية وبذلك علينا أن نعي أن القوانين والأحكام والتوجهات في فترة معينة ما هي إلا امر نسبي متغير علينا دائما أن ننتقده ونحلله لنستطيع تطويره لا ترسيخه من اجل مجتمع أفضل.

وكذلك يدعّم دوبوتون أفكاره باتخاذ الدين وفكرة الموت كتأمل لنا للتبصر والتنوير والتفكّر بحقيقة الحياة.

واخيراً يتناول البوهيمية كإحد الحلول للابتعاد عن المظاهر المجتمعية الزائفة وكحركة للقضاء على البرجوازية التي سبّبت الكم الكبير من القلق الدائم للسعي وراء المكانة.

هذا كتاب جيد للاقتناء في كل الأوقات والازمنة للتخلص من المظاهر التي تقتل روح الانسان وكدعوة للعودة إلى حقيقة الإرادة والبساطة.

كتبتها: جنى بيطار

انستغرام