النهايات

تقييمنا: ينصح بها

التصنيف: 4 من أصل 5.

في هذه الرواية نشهد تباشير عمل منيف العبقري “مدن الملح”. تتشابه معها في موضوعاتها حول الصراع البشري مع الطبيعة، والعيش في ظل شح الموارد، وعدم اكتراث الحكومة، والأغراب الذين يأتون بالمشاكل؛ حيث تلعب الصحراء دور الرابط لكل ذلك. لكنه في هذه الرواية أكثر استعجالاً وأقل دخولاً في التفاصيل، وكأن هذه المواضيع لم تتشكل بصورة تامة بعد.

منيف يعرف البادية جيدًا، وعندما يتحدث عنها وعن ضنك العيش وانتظار المطر والصيد والحيوانات يحدثنا عنها بكل خبرة وكأنه عايش كل ذلك بالتفصيل وليس كمثقف يكتب في مكتبه المكيف. وأسلوبه سلس ومقنع، ورغم انه يروي القصة بواقعية دقيقة، إلا انه بإسلوبه الجذل عندما يتحدث عن الليل في الصحراء أو عن شخصية عساف الغامضة، أو اجتماع أهل طيبة حول الجثة وطقوس دفنها، أو مجمل سرد “حكايات الليلة العجيبة” فإنه يضفي شعرية وسحرية واقعية على الصحراء والشخصيات- ليست سحرية متصنعة كما في الأفلام الهوليوودية التي تصبغ الصحراء بسحر ألف ليلة وليلة، وإنما أشبه بسحرية غابريل غارسيا ماركيز- أو أكثر قربًا، ماريو فارغاس ليوسا.

وينجح منيف بمهارة في اللعب على الأحكام المسبقة للقارئ ومن ثم احراجه بها، فالشخصية الرئيسية، عساف، يظهر في بداية القصة كشخصية منعزلة وغامضة، لا يعاشره أهل القرية، مما يعطي إحساسًا بوحشيته والخوف منه، ونترقب ما الشر الذي سيفعله، لنكتشف لاحقًا أنه الأكثر إدراكًا لخطورة المستقبل ونتائج عدم الاكتراث، وأن كل الناس تحترمه، وكما يصف نفسه فيما بعد بطريقة جميلة:

“لا تنظروا إلي كوحش، أنا إنسان، نعم إنسان مثلي مثلكم، وليس بيني وبين أي مخلوق أي عداء من أي نوع. فإذا كانت الطيور والحيوانات تغريني وأطاردها، فلأنني أشعر بحاجة أكثر مما أشهر بلذة”.

في الحقيقة فإن عساف، الذي نكتشف رقته وعمقه تدريجيًا، يعطينا درسًا في الأنانية البشرية واستهلاك موارد الكوكب بشكل عام وليس فقط استهلاك أهل طيبة لموارد الطبيعة دون حسبان أو تفكير في المستقبل، فـ “من قال أن طيبة وحدها يسكنها المجانين!”.

مع وفاة عساف نتيجة الجشع والغطرسة البشرية، فإن الصحراء تستعيد ما كان يخصها، ويتوقف السرد الرئيسي لتدهور طيبة. يحكي منيف عن الاستعدادات للدفن، لكن الرواية تتحول إلى سلسلة من 14 حكايات يرويها المعزون في الليلة السابقة للجنازة. هذه حكايات تقليدية للصحراء، وقصص تحذيرية حول عبث الأمل والسعادة الإنسانية، لكنها مليئة بجرعة صغيرة من الفكاهة المظلمة. بالنسبة للقارئ، فإن التأثير متناقد بشكل مفاجأ. التوتر الشديد في قصة عساف وجماعة الصيد يجعل من الصعب العودة إلى هذه القصص الشبيهة بالخيال.

ربما هذا هو المقصود، فالصحراء بعظمتها واتساعها تسخر من تفاهة ومرحلية الرغبات البشرية. حتى رواية القصص، التي تبجل في المجتمع الصحراوي التقليدي، تبدو غير منطقية، بل سخيفة، في مواجهة موت عساف. كل كلماتنا، يعني منيف – حتى كلماتي – لا تعني شيئًا إذا أدت أفعالنا الأنانية إلى تدمير حياتنا. القصص لا تستطيع إنقاذ أي شخص في طيبة. لقد حدث الضرر بالفعل، ولن يكون هناك خلاص ولا مهرب.

عدا عن الموضوع العام للقصة والصراع الاقتصادي مع الطبيعة ومواردها، يرمي لنا منيف العديد من الجواهر التي لا ترتبط بفترة أو قضية معينة، أثناء إتمام السرد بسلاسة وطبيعية لا تقترب من العظة أو الخطبة. مثلا:

“إنها التجربة الأولى. ومثل كل التجارب الفاشلة، وفي جميع المجالات، يتولد في الإنسان نوع من الإصرار أقرب ما يكون إلى الرعونة”.

تعطي مثل هذه الجمل العفوية لمحة عن خبرة وحكمة منيف في الحياة ودقة ملاحظته، في مكان آخر يقول:

“إن في حياة كل إنسان لحظات من الخصوبة لا يدركها، ولا يعرف متى أو كيف تأتيه أو كيف تنفجر في داخله. إنها تندفع فجأة، تعربد مثل الرياح أو مثل الأمطار الغزيرة المفاجئة وتطغى على كل شيء، ومثلما تأتي فجأة تنتهي كذلك، وكأنها مياه غارت لتوها في أرض رملية عطشى!”