قصة عادية

تقييمنا: ينصح بها

التصنيف: 4 من أصل 5.

 يُعرف الكاتب الروسي إيفان غونتشاروف بفضل روايته ذائعة الصيت -لأسباب وجيهة- “أبلوموف” (1859) والتي تدور حول بطريك لا يود إزعاج نفسه بالخروج من السرير. شكل نجاح هذه الرواية حاجبًا أمام رواياته الأخرة، وهو أمر غريب لأنه كتب ثلاث روايات فقط. كلها تبدأ، بالمناسبة، بالصوت “أبـ” بالروسية.  

تدور أحداث رواية “قصة عادية” في منتصف القرن التاسع عشر حيث يسافر الشاعر الشاب الرومانسي الساذج ألكسندر أدوييف إلى سان بطرسبرج، حريصًا على الابتعاد عن المقاطعات الريفية وصنع اسم لنفسه في المدينة الكبيرة. يحمل رسالة تعريفية من والدته الأرملة والحريصة بشكل زائد على ولدها، موجهة إلى عمه بايوتر إيفانيش العنيد ومالك مصنع.

العم هو شخص بارد بلا ريب؛ يتحمل على مضض مسؤولية فرز مسكن لألكسندر وترتيب وظيفة رتيبة إلى حد ما في المصنع، مع بعض الكتابة المستقلة لحسابه الخاص في مسائل مثل الأسمدة لمجلة زراعية.

عبر عملية ما يسمى التعليم من خلال الواقع، يحطم العم جميع الدوافع الرومانسية لابن أخيه الشاعر اليافع- موجهًا إياه أن المرء يجب أن يكون براغماتيًا باردًا وأن يحسب، إذا أراد أن يستمر في الحياة بنجاح، مكاسبه وخسائره من كل فعل. كما أنه يسخر من غراميات ألكسندر التي تنتهي بشكل مأساوي، ويشعل سيجاره بأحد قصائد ألكسندر التي ألفها حديثًا في استهتار بقيمة شعره. تصبح ليزافيتا أليكساندروفنا- زوجة عمه الجديدة والروح الرقيقة – عزاءه الوحيد، الراغبة في سماع حزنه وتشجيعه بأفضل ما تقدر للخروج من كآبته.

هل كان عليه أن يبقى في المنزل، حيث كانت الحياة أبسط؟ يستهلك هذا السؤال ألكسندر وهو ينزلق إلى الاكتئاب والارتباك ويبدأ بالشراب. في منزله في الريف كان لديه بدايات لشيء مُبشر مع صوفيا اللطيفة التي، كما يتم الإيحاء به، لم تكن لتنسى فارسها بسبب بعض الأمور المرحلية.

تذكرنا الرواية بسردها وأفكارها بأعمال تورغنيف، ولكن لدى تورغنيف في أفضل أعماله إحساس أكثر انسيابية وغنائية، وبإمكانه وصف طائر يغني على شجرة في ليلة صيفية مع نوع من الرهبة الجذابة التي، من الناحية النظرية على أي حال، قادرة على أن تبقي القارئ مفتونًا. غونشاروف مهتم أكثر بالنبش في سلوكيات ونفسيات شخصياته. في سياق صفحات هذه الرواية التي يقارب عددها الأربعمئة صفحة، يتيح لنفسه مجالًا واسعًا لدراسة التفاعل البشري وتحليل سوء الفهم، لمناقشة الدوافع والصواب والخطأ، كما يظهر جليًا في محاورات وأفكار شخصياته.

وتبدو الرواية أحيانًا وكأنها عمل كلاسيكي لجين أوستن، حيث يتبنى كل من الأقارب نهجًا متناقضًا في الحياة ويستخدم وسائل مختلفة تمامًا في الحكم على نجاح الفرد. وهي رواية أوروبية أكثر من “أبلوموف”، وبالتالي فهي أكثر رقة من العمل اللاحق. بشكل عام، يبدو الكتاب كما لو كان مكتوبًا في عالم الاستقرار ما بعد الحرب بدلاً من مجتمع الاضطراب ما قبل الثورة، على الرغم من أن استنتاجات غونتشاروف غير تقليدية ولاذعة في صراحتها الحديثة.

هناك الكثير مما يمكن الاستمتاع به في هذا الكتاب، وليس أقله، عرض المؤلف الرائع للنساء كشخصيات ووضع المرأة بشكل عام. شخصية الخادمة في “أبلوموف”، ربما لعبت دورًا ثانويًا في المؤامرة، لكنها كشفت أفكارًا جذرية حقًا حول كيفية معاملة النساء من قبل الرجال الذين يقومون بترهيبهن. لم تخيب “قصة عادية” في تقديم مثل هكذا شخصيات. أحد الأمثلة هو النظرة المقربة لحياة الزوجة المتسامحة، ولكن المُسيطر عليها. مرة أخرى، هي ليست الشخصية الرئيسية، ولكن الحساسية التي يكتب عنها تُظهر أنها الأم الأدبية لبطلات القرن التاسع عشر المتأخرات، آنا كارنينا وإيما بوفاري.

جعل هذا الكتاب غونشاروف مشهورًا في روسيا. وعلى مسافة عدة قارات وبعد أكثر من قرن، لا يزال بإمكانه جعل القراء الجدد يضحكون ويُصدمون من التعرف على شخصيات بشرية عابرة للأزمنة والأمكنة.