حلقات زحل

تقييمنا: ينصح بها بشدة

التصنيف: 5 من أصل 5.

في وقت وفاته عام 2001 عن عمر يناهز 57 عامًا بعد أن أصيب بجلطة قلبية أثناء قيادة السيارة ومن ثم الوقوع بحادث مع شاحنة، رأى العديد من النقاد في الكاتب الألماني دبليو. جي. سيبالد الفائز المستقبلي بجائزة نوبل للآداب. كتابه The Rings of Saturn ، الذي كتب عام 1995، قطع شوطاً طويلاً في تأمين سمعة سيبالد ككاتب رائد في نوع جديد من الخيال الأدبي. يُعد الكتاب مثالًا على أسلوبه الغريب والفريد من نوعه: تباين الأنواع، وضوح الحقيقة والخيال، والصور الفريدة بالأبيض والأسود، وتأمله في الطبيعة المدمرة للتاريخ، والحياة البشرية، وقوة الفن.

“قاتل أنها ترى الآن وهي تنظر إلى الوراء أن التاريخ ليس إلا التعاسة والابتلاءات التي تنزل بنا، كأمواج البحر التي تضرب الشطآن، بحيث لا نشهد طيلة أيامنا في الدنيا ولا حتى لحظة واحدة خالية من الخوف”.

الكتاب، على مستوى السرد، هو جولة على الأقدام عبر المقاطعات الإنجليزية في نورفولك وسوفولك؛ موطن سيبالد المُتبنى. ينتقل القارئ مع الراوي الكئيب من مدينة إلى أخرى، من قرية إلى أخرى، ولكن في هذه العملية – من خلال شبكة مذهلة من الجمعيات، والظواهر، والمفارقات الواضحة – يتم اقتياد القارئ في جميع أنحاء العالم، والعديد من الأزمنة المختلفة، والحيوات المتعددة. يأخذنا ركوب سكة حديد مصغرة في قاعة سوميرليتون إلى الصين في القرن التاسع عشر وتمرد تايبينغ؛ لقاء مع بستاني ينقلنا إلى غارات الحرب العالمية الثانية؛ فيلم وثائقي عن روجر بوزمينت إلى جوزيف كونراد والكونغو والإبادة الجماعية؛ من قاعة القراءة في ساوثوولد إلى التأمل في إحصاءات الحرب والمآسي الناجمة عن الحربين العالميتين. في هذه الروابط المتعرجة وفيما بينها، يتم نسج الأفكار والعناصر كالخيوط المتنوعة في تشكيل المنسوج الكامل، و تقترح كل هذه الإضافات أن الطريق يخفي مرارًا ميل البشر المخيف إلى أعمال التدمير والإبادة.

كل المواضيع السابقة المتباينة متماسكة معًا بجمال، مع ميل هيكلي للحداثة، لكنه لا يزال يسمح بلحظات من الأحداث السحرية. إن اليقظة التي يكتب بها سيبالد عن عيوب الإنسان، وشفافيته وتورطه مع نفسه، مروعة ومقنعة. في تأملاته حول استغلال البشرية للبيئة، يتنبأ بالضبط بالقضايا التي بدأت تعض علينا اليوم: هدر الموائل الطبيعية، وهلاك مخزونات الغذاء (سمك الرنجة مثلا)، وتلوث الهواء والماء.

هذا المزيج من الخيال، والسفر، والسيرة الذاتية، والأسطورة، والمذكرات – التي تمحو الوقت وتتحدى المقارنة. مذهل وغريب، قد يذكرك بعمل نابكوف “الحديث، الذاكرة” أو أعمال ايطاليو كالفينو أو ووالتر بنجامين أو حتى جوناثان سويفت، ولكن في النهاية تعرف تمامًا أنه ليس أيًا من هؤلاء. لأن زيبالد يكتب بصوت واثق، ومتفرد لدرجة أنه لا يمكن أن يسمى بتاتًا مشتقًا.

في إطار وصف رحلته قام سيبالد بعمل ما يحلم به كل كاتب: لقد تمكن من التحرك عبر الزمان والمكان وربط قصته فيما رآه الأب الأدبي الروحي الذي يحظى بإعجاب كبير، الفيلسوف في القرن السابع عشر السير توماس براون. ومن خلال إعطاء هذا الوزن المعاصر للأحداث والأشخاص الذين يصفهم، سواء كانوا واقعيين أو خياليين، فقد فكك ما أطلق عليه براون “أفيون الزمن” و “إثم النسيان”.

يبدأ كل فصل بأسلوب مذكرات شخصية أو ملاحظة حول مكان أو نمط معيشي، ثم يتوسع إلى ما يسميه سيبالد “عالمًا ورقيًا”. يقع فندق Albion في منطقة Lowestoft الحالية، حيث يتم نقل القارئ إلى البلدة في أوجها في أواخر القرن التاسع عشر، أو يُدفع فجأة في تاريخ صيد وتجارة سمك الرنجة في بحر الشمال، ويُترك أخيرًا – بعد معرفة أن الرنجة تحافظ على لمعانها بعد الموت – مع فن زخرفة المخطوطات من قبل شخصيات تحمل اسم Herrington و Lightbown، والتي قد تكون أو لا تكون أحد اختراعات سيبالد الغريبة. في البداية، تجد نفسك تتساءل عما هو صحيح وما هو ليس كذلك، ولكن بعد فترة من الوقت، يصبح كل هذا مثيرًا للاهتمام لدرجة أنك لا تتوقف عن القراءة ببساطة، حريصًا على معرفة السبب في أن إدوارد فيتزجيرالد لم يكمل أبدًا أي شيء سوى ترجمته الرائعة لـ “الرباعيات”. لما توماس أبرامز مهووس ببناء نموذج لمعبد القدس وكيف عاش شاتوبريان بعد الوقوع في حب شارلوت إيفيس. يشبه الكتاب حلمًا تريد أن تستمر فيه إلى الأبد. إسلوب كتابة سيبالد غني وجذل؛ حديث، ولكن فيه الروح القديمة لرواية الحكايات.

الكتاب طبيعي جدًا وسهل، ولكنه غريب أيضًا، بحيث يُسحر القارئ ويصيبه الفضول عن المؤلف الذي يقدم مثل هذه الكتلة الهائلة من المواد بطريقة متواضعة وجذابة. وُلد سيبالد في ألغاو في عام 1944 وتلقى تعليمه في ألمانيا حتى بلغ من العمر 22 عامًا. يكتب باللغة الألمانية، لكنه لم يقيم في ألمانيا منذ عام 1966؛ كان محاضرًا في جامعة مانشستر ومنذ عام 1975 يدرس في جامعة إيست أنجليا في نورويتش. كان كتابه الأول “المغتربين”، مجموعة مؤلمة من القصص عن الأشخاص الذين أجبروا على اللجوء بعد الحرب العالمية الثانية. لا يصدر أي أحكام وهو يروي حكاياتهم المفجعة، ومع ذلك فهو يروي عن حيواتهم المخطوفة بكرامة بحيث لا يصبحون أبداً مصدرًا للشفقة أو الرثاء. مهمته في “حلقات الزحل” أكثر صعوبة، لأن هذا النص أطول وأكثر توسعًا، ويخلق فيه عوالم داخل عوالم. تم إثراء النص، كما في الكتاب السابق، من خلال الصور والرسوم التوضيحية الغير مسماة، والتي لا تظهر أهميتها دائمًا على الفور.

يكتب سيبالد: “لا يمكن للمرء أن يقول ما إذا يكتب بحكم العادة فقط، أم أنه يتوق إلى الإعجاب، أو لأنه لا يعرف كيف يفعل أي شيء آخر، أو بدافع الغرابة أو اليأس أو الغضب، أكثر من أن يكون بمقدوره القول أن الكتابة تجعل الشخص أكثر إدراكًا أو أكثر جنونًا”. فيما تقرأ وتتعمق في الرواية، وبينما تفكك الطريقة المعقدة التي نسج بها سيبالد موضوعاته، تصبح مشاركًا نشطًا في الكشف عن هذا الكتاب. على سبيل المثال ، إذا اتبعت طريق الحرير، بدءًا من حقيقة أن والد براون كان تاجر حرير، حتى الفصل الأخير، وهو استنتاج حول عادات الدودة القز وتاريخ تربية دودة القز، فأنت تدرك أن دودة القز، أو فعل الغزل، هو رمز للعملية ذاتها التي اشتركت فيها أنت والمؤلف.

مثلما تظهر رؤى نابوكوف في رواية “المغتربين”، صور الحرير والوهم تظهر وتحترق بشكل يشبه ضباب الأحلام في هذا الكتاب. يقول براون: “إن الحياة لهب نقي، ونحن نعيش بشمس غير مرئية داخلنا”. يقول سيبالد: “الاحتراق هو المبدأ الخفي وراء كل قطعة أثرية نبتكرها”، ويجبرنا على مواجهة أهوال التصنيع والحرب وإبداع الإنسان في تدمير نفسه- وليس الآخرين فحسب. وبالطبع، مع هذا الاستعارة المركزية المتمثلة في الحرق والنسيان، نحن على دراية بالحرائق الهائلة للقرن الماضي، المحرقة، التي تنشر ظلالها بصمت وثبات على هذا الكتاب.

أحد أكثر الفصول إثارة هو زيارة صديق سيبال مايكل هامبرغر، وهو المترجم الرائع لقصائد بول سيلان والتي تشبه حياته في المنفى حياة سيبالد تقريبًا، على الرغم من أن هامبرغر يهودي وعمره 20 عامًا. هناك تحصل على تلميحات من معضلة سيبالد كمغترب، ووحدته وكفاحه من أجل العيش في عالم جميل للغاية ورهيب للغاية في نفس الوقت. لكن هذا ليس كتابًا كئيبًا أو لا يطاق. يتوهج مع إشراق ومرونة الروح الإنسانية. من خلال مواجهة فرحة وحزن الوجود، يمنحنا هذا المسافر المتعلم والفضولي القوة لفعل الشيء نفسه.

يتكون الكتاب مما يراه سيبالد ويشعر به ويفكر فيه ويواجهه. ومع ذلك، فإن الذات التي ينظمها سيبالد حول هذا الموضوع المتباين هي شبحية. لا يغوص السرد أبدًا في النرجسية. بدلاً من ذلك، يبدو الأمر كما لو أن سيبالد يسمح للمشهد وسكانه باستخدام ذاكرتهم وحواسهم. درسٌ يحتاج الكثير من الروائيين العرب لتعلمه، للأسف.