البرهان

تقييمنا: ينصح بها

التصنيف: 5 من أصل 5.

“البرهان” هي الجزء الثاني في ثلاثية آغوتا كريستوف ورغم أنني قفزت سريعًا إليها بعد الجزء الأول الذي أبهرنيّ وجعلني لا أستطيع الانتظار.

الشيء الذي لا تستطيع ذاكرتي البائسة أن تنساه هو اسلوب آغوتا في الكتابة، نحن لا ننسى الأشياء التي تبهرنا وتصدمنا بسهولة ورغم أن التيمة التي تستعملها تقريبًا واحدة، أسلوب آغوتا، أسلوب الصفعة. تلخص أهم أحداث الرواية (وأبشعها وأفظعها) في كلمات قليلة ربما لا تتعدى السطر الواحد ثم تستكمل باقي روايتها بوتيرة في غاية الهدوء وكأن شيئًا لم يكن، أحداث الذروة التي دائمًا ما يفرد لها الراوي صفحات وصفحات لوصفها ثم تحليلها والتعليق عليها تلخصها هي في كلمات قليلة لا تتعدى السطر الواحد! الأمر الذي يجعلني اتوقف، اقرأ السطر مرة أخرى، استوعب، ثم أحاول أن أتواطئ معها أنا الأخرى واستكمل القراءة كأن شيئًا لم يكن.
الغريب أنني قرأتها دفعة واحدة في نوبة مرض وإذا لم يكن قد سبق ليّ القراءة لآغوتا لكنت حينها لا أستطيع معرفة هل الرواية حقًا غريبة الأطوار وصادمة إلى هذا الحد أم هي هلوسات حرارتي المرتفعة؟

المادة الخام لروايات آغوتا هي “تبعات” الحرب، وأقول تبعات الحرب وليس الحرب لأنه لا وجود هنا لمظاهر الحرب المعتادة التي دائمًا حاضرة في ذهننا؛ الطائرات والرصاصات والجيوش والدم (الصورة المعتادة) لكنها تصوّر تبعات الحرب وتأثيراته في نفوس من يعيشوها حتى أصبحت نفوسهم مشوهة؛ فلا تصورهم على أنهم ملائكة، أبطال، شهداء، يرغبون في الموت لأجل تراب الوطن (الصورة المثالية) هذه الصور هي التي طالما كنا نقرأ عنها وتثير إعجابنا.
الصور التي دائمًا ما تقوم بتركيز “الكادر” على الفئة القوية، المحاربون أو من يستطيعون المقاومة وتنسى أو تتناسى أن كل شعب (وأي شعب) يشكّل الضعفاء منه أغلبه، لكن الضعفاء هم دائمًا المهمشين.. حتى في الروايات!

آغوتا تركز على هؤلاء؛ مشوهيّ الحرب، ليسوا بذراع أو قدم مبتورة بل بقلوب ونفوس مبتورة، أبطال تتلخص مأسيهم في (العنف، القتل، الجنس) وهي الثيمة المكررة دائمًا لدى الكاتبة، ورغم تقززك من الأبطال لا تستطيع إلا أن تتعاطف معهم.

لكن البطولة هذه المرة في رأيي لم تكن من حظ التوأمين ولا حتى لأحدهما الذي فرض وجوده على طول الرواية وعرضها. البطل في هذه الرواية –في رأيي- هو ماتياس؛ الطفل المشوه نتيجة علاقة مشوهة والذي رغم ذكاءه ونضجه لا يستطيع تجاهل حقيقة أنه بطريقة ما مختلف عن الآخرين من سنه، ولا يستطيع تفادي فظاظتهم.
الحقيقة أن كل شخصية من شخصيات الرواية هي مأساة بحد ذاتها لكن من بين الجميع كان أكثر من تعاطفت معه هو ذلك الطفل، ربما لأنه أكثرهم براءة وسوء حظ منذ ولادته وحتى نهايته.

في الروايات؛ هناك ثلاثة أنواع مفضلة لديّ (الفلسفي، الجنوني غريب الأطوار، النفسي) وآغوتا جمعت بين هذين الأخيرين.
بتُ أعتقد أن كل روائي “ناجح” بداخله إما فيلسوف أو عالم نفس، وربما ناجح هذه تعود إلى مقاييسيّ الخاصة.

كتبتها: روان الشريف