القراءة الفاضلة

لا يكفي أن تقرأ على نطاق واسع. يجب على المرء أن يقرأ جيدًا. يجب على المرء أن يقرأ بفضيلة. وبشكل عام، يمكن فهم الفضيلة ببساطة باعتبارها التميز. القراءة الجيدة هي، في حد ذاتها، فعل فضيلة، أو امتياز، وهي عادة تزرع المزيد من الفضائل في المقابل.

تعني القراءة الفاضلة، أولاً، القراءة عن كثب، أن تكون مخلصًا للنص والسياق، وتقدر جهد الكاتب الذي قد يكون أفرغ حياته وخبرته في هذا العمل، حتى ولو لم يعجبك. في الواقع، هناك شيء ما في شكل القراءة – شكل الفعل نفسه – يميل نحو الفضيلة. الاهتمام اللازم للقراءة العميقة، أي نوع القراءة الذي نمارسه في قراءة الأعمال الأدبية بدلاً من القفزعبر الأخبار أو تعليمات القراءة، يتطلب الصبر، وتتطلب مهارات التفسير والتقييم والحكمة. حتى القرار البسيط بتخصيص وقت للقراءة في عالم مليء بالعديد من الخيارات الأخرى المتنافسة على اهتمامنا يتطلب نوعًا من ضبط النفس.

قد تكون قدرتك على القراءة الجيدة أُضعِفت عبر رسائل تويتر ومنشورات الفيسبوك أو المقالات الإخبارية المنقوصة التي تتصيد النقرات، أو شوش عليك عبر نصائح التنمية البشرية بالقفز عبر الأسطر وقراءة الكلمات المفتاحية فقط من كل فقرة، ونصائح غبية مماثلة. لكن سواء كنت تشعر أنك فقدت قدرتك على القراءة جيدًا، أو أنك لم تكتسب أبدًا هذه القدرة على الإطلاق، عليك التشجع لأن المهارات المطلوبة لقراءة جيدة ليست مسألة معقدة أو صعبة. القراءة الجيدة هي بسيطة -إن لم تكن سهلة-؛ الامر لا يتطلب سوى الوقت والاهتمام.

تبدأ القراءة الفاضلة بفهم الكلمات الموجودة على الصفحة. العديد من القراء تعلموا هذه العادة السيئة بالقفز بسرعة إلى التفسير والتقييم لدرجة أنهم غالبًا ما يتخطون المهمة الأساسية المتمثلة في فهم معنى الكلمات. حتى قبل إنهاء الكتاب أو الفصل أو الفقرة يبدأ القراء المستعجلون بالتفكير بكيفية الرد على الكاتب أو كيف سيكون شكل مراجعة الكتاب على غوودريدز. فهم الكلمات على الصفحة يتطلب الترو وإعطاء الكاتب الفرصة لإيصال فكرته الكاملة، وهذا يتحسن مع الممارسة.

كلما زادت الممارسة كلما اقتربت القراءة من المثالية، وهنا تجعل المتعة الممارسة أكثر احتمالاً، لذلك عليك قراءة شيء ممتع. إذا كان كتاب ما مؤلمًا لدرجة أنك تتجنب قراءته، فضعه جانبًا واحصل على كتاب يسعدك. الحياة قصيرة للغاية والكتب وفيرة للغاية. علاوة على ذلك، لا يمكن للمرء أن يقرأ جيدًا، أو كثيرًا لتحقيق الممارسة، دون الاستمتاع بما يقرأ.

من ناحية أخرى، فإن أعظم المتع تأتي من الأمور التي تحتاج لأن تستثمر نفسك ووقتك بها بشكل عميق. قد يقدم لك أحد الكتب تسلية وإثارة كالتي يقدمها فلم شعبي حماسي، ولكن من غير المرجح أن يقدم مكافآت فكرية أو جمالية أو روحية بعد فترة من إغلاقه. لذلك، حتى عندما تريد كتبًا لتستمتع بقراءتها، ابحث عن كتب تتحداك وتطلبك منك شيئًا بالمقابل: كتب ذات جمل وكلمات رائعة تجعلك تبحث في القواميس وتقوي بلاغتك، كتب تشعرك بفضول شديد لثقافة معينة لتقرأ وتبحث المزيد عنها… وهكذا.

أيضًا، اقرأ ببطء. مثلما يجب تذوق وجبة جيدة ببطء، كذلك يجب أن يتم الإحساس بالكتب وليس التعجيل بها. بالتأكيد تستحق بعض مواد القراءة قراءة سريعة، ولكن التقليب السريع هو بالنسبة للعقل كما هي الوجبات السريعة للجسم. لا تعتبر القراءة السريعة أقل شأنا من القراءة العميقة، ولكنها قد تجلب من الأذى أكثر من الفوائد. يحذر أحد النقاد بأن القراءة السريعة هي ببساطة “وسيلة لتخدع نفسك في التفكير في أنك تتعلم شيئًا ما.” عندما تقرأ بسرعة، فأنت لا تُعمل التفكير النقدي ولا تدرك الكثير مما يقال. والأسوأ من ذلك، أن “القراءة السريعة تمنحك شيئين لا ينبغي أن يختلطا أبدًا: المعرفة السطحية والثقة المفرطة”. ولا يغرنك عدد الكتب الفلكي التي أنهاها البعض على غوودريدز، هؤلاء كما قال ثورو يقرأون النجوم كما تقرأها العامة بالتنجيم لا بعلم الفلك.

الانخراط بعناية في النص يستغرق وقتًا. إن أبطأ القراء غالبًا ما يكونون أفضل القراء، وهم الذين يحصلون على أكبر قدر من المعنى من العمل ويتأثرون بشدة بالأدب. كتب ريتشارد باكستر في القرن السابع عشر، “ليست قراءة العديد من الكتب ضرورية لجعل الرجل حكيماً أو جيداً؛ ولكن قراءة القلة بشكل جيد”.