مذكرات نكرة: احتفالاً بحياة الطبقة الوسطى

تقييمنا: ينصح به إن كنت مطلعًا على العصر الفكتوري وأدبه

التصنيف: 4 من أصل 5.

 هذه مراجعة لـ: The Diary of a Nobody By George & Weedon Grossmith

مذكرات نكرة عمل مثير للاهتمام- وجودها ونجاحها لم يكن مخططًا له. حاولت أجيال من الكتاب البارعين بصدق تأليف أعمال عظيمة تُخلد بعد رحيلهم لكن كل تلك الأعمال بقية على الأرفف ليأكلها الغبار بعد طبعة أو طبعتين لا أكثر. أما جورج جروسميث فلم يكن كاتبًا في المرتبة الأولى. لقد ألف بعض الأغاني والاسكتشات لكنه في الأساس ممثل مسرحي، ومع ذلك فإن إسهامه في سلسلة فكاهية لمجلة Punch قد أوجد له عملاً كلاسيكيًا ما يزال يطبع ويستمتع به حتى بعد عدة قرون من تأليفه. أما ويدون الذي يشارك في نسبة الرواية له فلا يد له في كتابتها وإنما رسم صورها فقط. إن أصل الرواية هذا كسلسلة في مجلة فكاهية يحكم شكل العمل تمامًا، فالفصول عبارة عن حلقات غير مترابطة، والشخصيات التي تظهر لا يتم تطويرها أبدًا وأغلبها شخصيات أحادية سطحية. يكشف توني جوزيف كاتب سيرة جورج جروسميث أنه من شكل العمل وفي سياق حياة الأخوين بالمجمل فإن “المذكرات كانت محض مصادفة” ولا يوجد أي ذكر لأي منهما يتحدث عن الرواية أمام العامة. يبدو أنهما لم يدركا المنزلة التي وصل إليهما إنجازهما. مما بدلنا أنه في الأدب، كما في عالم الأعمال، امتلاك كافة المؤهلات والتفكير السليم لا يشكلان كل نواحي النجاح، حيث يلعب الحظ دوره أيضًا.

أحد رسومات ويدون للمذكرات

    النكرة هو السيد بوترPooter، موظف في المدينة. يعيش مع زوجته كاري في منزل مكون من ست غرف في هولواي. لديهم خادمة ويعمل ابنهما ويلي في أحد البنوك في أولدهام. في وقت مبكر من المذكرات يتم طرده ويعود إلى المنزل، دون أن يشعر بالضيق، ويعلن أنه سيُعرف من الآن فصاعداً باسمه الأوسط لوبين وهو سبب لقلق والده. يتمتع السيد بوتر بإحساس قوي بكرامته، والتي غالباً ما تتكدر، لأنه معرض للأسف لحوادث مثيرة للسخرية. ومع ذلك يظل راضيا بشكل رائع.

    والمذكرات هي وصف دقيق بشدة لحياة الطبقة الوسطى وتصرفاتها وتطلعاتها في ثمانينيات القرن التاسع عشر. لم تعكس الفترة التي كتبت بها وحسب، بل مزحت بشكل نشط من الذوق العام، الموضة، الرسميات الاجتماعية، الديكور، المحلات التجارية، اللهجة العامة، والأغاني الشعبية. قد يجد القارئ المعاصر، والغير إنجليزي بشكل أولى، بعدًا واغترابًا عن كل هذه الأمور، لكنه سيشعر، ولا شكل، بالارتباط بفكرة الفروقات الاجتماعية والعادات والرسميات التي يضعها المجتمع تحت دعوى “حسن التصرف” بالرغم من أنها في النهاية ليست سوى أمر يدعو للضحك.

    العامل الآخر الواضح في المذكرات هو شخصية المدون. فالسيد بوتر، رغم تطلعاته ليصبح شخصًا مهمًا وذو مكانة، إلا أنه نكرة حتى في نظره هو. تطلعاته هذه تقوده دائمًا للمشاكل، وكل مقاربة لتهنأة النفس تُقاطع بإحراج صغير (وإن بشكل طريف). هذا الأمر معبر عنه بشكل مختصر وجميل في جملة واحدة: “تركت الغرفة بكرامة صامتة، لكن رجلي علقت في الحصيرة”.

في كلتا الحالتين: سواءً مع العوائق الاجتماعية أو مع الإحراج الناتج عن السعي لتغيير مرتبته الاجتماعية، لا يركن السيد بوتر إلى الحزن أو القنوط من وضعه، ونراه يستمر في عيش حياته بمرح واستمتاع بأصغر تفاصيل الحياة التي قد لا يقف عندها أحد. قد يكون هذا أحد أهم نواحي المذكرات.

ما مدى جودة الكتاب؟ بادئ ذي بدء، لقد صمد أمام اختبار الزمن؛ لم تتوقف المطابع عن طبعه أبدا منذ ما يقرب من مائة وعشرين عامًا، وقد بيع جيدًا لمدة قرن. ولكن في النهاية، هناك شيء بعيد المنال حول سبب كون المذكرات بهذه الجودة. بطريقة أو بأخرى الكتاب أفضل مما ينبغي، بالنظر إلى موضوعه وشخصياته، ومن الواضح أنه أفضل بكثير من مجموع أجزائه. تم كتابة الجزء الأكبر من الكتاب بلا مبالاة وبسرعة في خواطر أسبوعية قصيرة. ما وضع على الصفحة، بعبارة أخرى، جاء غير خاضع للرقابة ومباشرة من اللاوعي. وفي النهاية كان على الأخوين أن يفكروا بوعي، وصنعوا منه علامة. إذا كان هذا صحيحًا بأي حال من الأحوال، فإن بوتر يتحدث إلى شيء عميق وربما لا يمكن تفسيره فينا جميعًا.